كل من أراد معرفة الله فليحرص على معرفة نفسه فقد قالوا :"من عرف ربه عرف نفسه" و لا يعرف أحد نفسه إلا بمجاهدتها و رياضتها و أما من خفت موازينه فأمه هاوية. أعاذنا الله من ذلك. فإن طلب الانسان المعرفة و طلبها بغيرعمل فدعوته مردودة عليه، من لم يحرث لم يجد ما يحصد و طالب المعرفة لا يلتفت إلى حظـوظ الدنيا الفانية. فالحمد لله على نعمة الإيجــاد و نعمة الإمـداد، و هذه النعم أن أوليـت للمـريد فمقتضـى الحق منه الصبـر و الـرضى و التسليم، و مقتضى الحق منه ذكر الله دائما، و المطلوب منه أن يذكره بالإخلاص لا من أجل حظ من الحظوظ، فقد قال رسول الله صلى الله عليه الصلاة و السلام:" ازهد فيما في يد الناس يحبك الناس، و ازهد في الدنيا يحبك الله" من زهد في هذين فالثمرة أقرب من غير بين، لذلك فإن الصبر مطلوب على كل حال في الجمال و الجلال لأن الحق متجلي بينهما، و الله يحب الصابرين، فالمـرء لا يركـــن إلى نفسه و لا إلى ما تهواه، و قد قال ابن البنا رضي الله عنه في مبحثه:" و من يبح للنفس ما تهواه، فإنما معبوده ما سواه" فعلى المريد أن يكون فطنا متيقظا لما ينفحه به ربه من نفحات، فتعرضوا لنفحات الله قال رسول الله صلى الله عليه و سلم:" إن في أيــــام دهركم نفحات فتعــــرضوا لنفحــــات الله" و النفحات تأتي على حسب السوابق فربما تحف من الجلال أكثر من تحف الجمال، فالجمال مفرح للنفس و كل ما تحب النفس فهو على صاحبها، و الجلال مؤدب لها إن رضي به صاحبه كان و لا شك عارف بربه لا يفوته خير الدنيا و لا خير الآخرة، قال سبحانه و تعالى:" وما فعل ربكم قالوا خيرا" و إياكم أن تجهلوه في أمر من الأمور فهو متجلي في كل الأمور من الجلال و الجمـــــــال و القول و الفعل، و قال شيخ شيوخنا سيدي مولاي العربي الدرقاوي رضي الله عنه في بعض رسائله في وقت الجلال: الثبات الثبات و الصبر على البلية و ما وقع لنا إلا لما وقع لمن قبلنا من الأنبياء و الأولياء فأبشروا إخواني بالخير و المزية الذي استخبركم في إيمانكم كما يستخبر أشياخكم و أشياخ أشياخكم قال تعالى:"ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا و هم لا يفتنون"
و الحاصل في طريقتتنا هذه اجتناب الكلام الذي لا يعني المريد في دينه و اشتغاله بذكر ربه يكون من أخيار القوم، و أنه من أراد أن يكون قويا على الدوام و من أراد أن يكون عالما على الدوام أن يتبع السلف الصالح على الدوام، و من أراد أن يكون عزيزا على الدوام أن يكون ذليلا، و من أراد أن يكون عالما على الدوام أن يكون جاهلا على الدوام، و لا يرفع نفسه على أحد سواء كان من المسلمين أو من النصارى أو من أهل الذمة، فكم من واحد مقته الله من تكبر نفسه على عباد ربه ، فإن المخلوقات جواهر، وكل جوهر تجلى فيه مولاه بما ظهر فيه، و عاش من عرف قدره و جلس دونه، و لا خاب عبد سلك ما سبق ذكره، و إن فعل المريد شيئا من العبادات أو ما شابه ذلك فعمله لمولاه مخلصا و لا يطلب الجزاء عليه لأن ذلك ليس منه و إنما من مولاه :" إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي"
ذو العلم بعلمه يزيد تحيرا و ذو الجهالة في جهله ينعم، العلم الذي يظهر من الظاهر، لايؤثر في الباطن، و ما يظهر من الباطن، يؤثر في الظاهر، و تسجد له جميع العوالم، يعني العلــــــــــــوية و السفلية،لقد بلغنا الله بنيتنا و محبة فينا إلى ما كنا قاصدين إليه، و عازمين عليه فإن القصد يبلغ المامول من الطلب و كنت ذقنت من أيام صغري قبل بلوغي بأعوام كثيرة، ثم بعد ذلك حصل اتساع و تنقلت عما كنا فيه من قلة أمر المعرفة، و كان الوقت بعيدا، و لم تــزل همتي طالبة لذلك، و عزمي عليه، و سخر الله لي ذلك حتى قرأت القرآن العظيم، و جديت في الطلب حتى أراد الله بي خيرا، أدركني الله برضاه و ألهمني لزيارة من يرشدني و كانت المزية له أنه يسهرعلى تهذيب نفسي و إحياء قلبي جزاه الله عنا و عن المسلمين خيرا فهو بحر العرفان و قدوة السالكين و مكمل الواصلين سيدي و اثمد بصيرتي و نور قلبي و صفاء سريرتي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"مع من تكون بحاله تكون". و قال من جالس العطار فاح بطيبه، و من جالس الحداد نال السواد و أريحوا أنفسكم من التدبير و الاختيار، فإنهما يكدران عيش الانسان و لايقول الفقير الصديق كيف ذلك؟ فيترك التدبير بيد المدبر و يقول : الله ، الله دائما مدة عمره فقد قال بعضهم: كل ما يشتاقه المشتاق فهو في ذات الخلق، فإن أردت الكرائم فكن عبدهم و الزم لنفسك الله. الله ، الله دائما ليلا و نهارا حتى تكون نفسك طالعة به هابطة به، و يمتزج بلحمك و دمك و عروقــــــك و عظمك و ظفرك فإن سره يظهر عليك فقد قال شيخ شيوخنا مولاي العربي الدرقاوي رضي الله عنه:" من كان فانيا في الإسم الأعظم تكون له الكرامة عند التمني ، و من كان فانيا في الذات تكون له قبل التمني، و لا يبعد ذلك على الذاكر، فمن كان فانيا فيه كما قلنا بجميع خصائصه على لسانه.
و تظهرعلينا كرائم كثيرة من هذا و أكثر،و من أهم الكرائم الاستقامة و الرجــــوع للعبوديـــــــة لله و التذلل له و الخضوع له عند كل شيء، و يقول الله الله، إى أن يموت فهذه علامة السعــــادة و هي علامة الخير الكبير و علامة الفلاح و لا شيء أكبر من ذكرهو قهر النفس فيما يرضيه.
نفعني الله و إياكم بالقرآن الكريم و أنار الله قلوبنا و قلوبكم بأنواره و ملأها بأسراره آمين، و نسألكم الدعاء جزاكم الله خيرا.
اللهم افتح بصائرنا لمراقبتك و مشاهدتك بفضلك و جودك، و نور سرائرنا لتجليات أسمائك و صفاتك بحلمك و كرمك و افننا بوجودن المجازي في وجودك الحقيقي و ابقنا بك لا بنا محافظيـن علـى شريعتك و سنة رسولك إنك على كل شيء قــدير و بالإجابة جدير يا نعم المولى و نعم النصير
قال" يحبهم ويحبونه" فان قيل كيف قدم محبته لهم على محبتهم له و قدم ذكره له على ذكره اياهم ،ققال تعالى :"فاذكرونـي اذكركم" فالجواب قاله عبد القادر الكيلاني ان الذكر مقام طلب فكأنه أمر بالطلب منه فقدم ذكدهم له أمـا المحبة فهـي تحفـة الهية ليس للعبد فيها اختيار فلا يصح وجوبها الا بعد بروزها من جانب الغيب على يد المشيئة فلهذا قـدم محبته لنـا علـى محبته له و له الفضل و المنة و معنى محبة الله لهم توفيقه اياهم لطاعته والآية نـزلت في ابـي بكر رضي الله عنه. و فـي الاحياء أوحى الله الى عيسى عليه السلام لو عبدتني بعبادة اهل السماوات والارض ،وحب الله ليس معك و بغض في الله ليس معك ما أغنـى عنك ذلك شيئا و قال صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى " المتحابون بجلالي في ظل عرشي يوم القيامة يـوم لا ظل الا ظلي رواه الامام أحمد .و قال (ص) ادا زارالمسلم أخاه المسلم شيعه سبعون ألف ملك يصلون عليه يقـولون اللهم كما وصله فيك فصله ،و قال ابو مسلم الخولاني لمعاذ بن جبل اني احبك في الله فقال ابشر فاني سمعت النبي (ص) يقــول ينصب لطائفة من أمتي كراسي حول العرش يوم القيامة وجوههم كالقمر ليلة البدر يفزع منه الناس و هم لا يفزعون ويخاف الناس و لا يخافون و هم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون قيل يا نبي الله من هم قال هم المتحابون في الله
ومما قاله الائمة الاربعة
قال الامام أبو حنيفة وأناحبب الي من دنياكم ثلاث تحصيل العلـم في طـول الليالـي وترك الترفــع و التعالي و قلب من حب الدنيا خالي
وقال الامام مالك (ض) و أنا حبب الي من دنياكم ثلاث :مجاورة روضته صلى الله عليه و ملازمة تربته و تعظيـم أهل بيته
و قال الامام الشافعي (ض) و أنا حبب الي من دنياكم ثلاث : الخلق بالتلطف و ترك ما يؤدي الى التكلف و الاقتداء بطريق التصوف
و قال الامام أحمد (ض) و أنـا حبب إلـي من دنياكـم ثلاث :متابعة النبي صلى الله عليه و سلــم في أخباره و التبرك بأنــواره و سلوك طريق آثاره
و قال (ص) من أحب اصحابي وأزواجي وأهل بيتي و لم يطعن في أحد منهم وخرج من الدنيا على محبتهم كان معي في درجتي يوم القيامة
و
في الرسالة القشيرية "قلوب المشتاقين منورة بنور الله فإذا تحرك الشوق
أضاء ما بين السماء و الأرض فيعرضهم الله على ملائكته فيقول هؤلاء
المشتاقون، إني أشهدكم أني إليهم أشوق.قال أبو بكر الكتاني جرت مسألة
المحبة بين المحبين بمكة و كان الجنيد صغيرا فتكلموا فيها ثم قالـوا هات ما
عندك ياعراقي فأطرق رأسه و دمعت عيناه ثم قال "المحب عبد ذاهب عن نفسه
متصل بذكر ربه قائم بأداء حقوقه ،ناظر اليه بقلبه احرق قلبه أنوار هويته
، وصفاء شربه من كأس وده و انكشف له الجبار من استار غيبه ان تكلم فبالله
وان نطق فمن الله وان تحرك فبامرالله و ان سكن فمع الله فهو بالله ولله و
مع الله فبكى الحاضرون و قالوا ما على هذا مزيد يا تاج العارفين وفي
فردوس العارفين قال أبو يزيد البسطامي :رأيت في المنام كأني في السماء
الرابعة فاستقبلني ملائكة يقطرمنهم النور تبرق منه السموات فسلمواعلي
فرددت عليهم السلام ثم التمع نور شوقي الى ربي ففاضت منه السماوات كلها
فصار نور الملائكة مع نور شوقي كسراج مع الشمس
و قال أبو يزيد البسطامي :"إن لله شرابا في الدنيا ادخره في كنوز ربوبيته ليسقيه أولياءه في ميدان محبته على منابر كرامته فإذا شربوا طربوا فإذا طربوا طاشوا فإذا طاشوا عاشوا، فإذا عاشوا طاروا فإذا طاروا وصلوا فإذا وصلوا اتصلوا فهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر
وقال :" شربت الحب بعد كأس فلا نفذ الشراب ولا رويت. في تفسير نجم الدين النسفي في قوله تعالى "و سقاهم ربهم شرابا طهورا":هو ادخره الله تعالى لأهل محبته فاذا شربوا طربوا فاذا طربوا هاموا فاذا هاموا طاشوا فاذا طاشوا طاروا فاذا طاروا طلبوا فاذا طلبوا وجدوا (نالوا)نزلوا فاذا نزلوا قربوا فاذا قربوا كشفوا فاذا كشفوا شاهدوا
شاع موت الشبلي جاءه أصحابه فسألهم فأخبروه فقالوا جئنا لجنازتك؛ فقال واعجبا من أموات زاروا حيا فقيل له هل اشتقت الى الله تعالى قال لا لأن الشوق إلى غائب ،وما غاب عني طرفة عين
قال أبو الدرداء (ض) إن لله عبادا تطير قلوبهم الى الله اشتياقا لا يدركـها البـرق الخاطف فيتقلبــون في بساتين الأنس بالنزهة ويسكنون على سرير القرب منه
و قال الشاعر
حلفت يمينـا لا ألفت بــــــــــــــغيركـــم وأن فؤادي لا يحب ســـــــــواكـــم
سقاني الهوى كأسا من الحب مترعا فيا ليته لما سقانـي ســـــــــقاكـــم
و يا ليت ذاك الحب يـــــــقسم بيننـــا و داعي الهوى لما دعاني دعاكـم
فنحيــا جميعـا تحت ظـــــــــــل ودادكم ونعطي المنى منكم وتـعطوا مناكم
و إنـــي لآتي أرضــــــــــكم لا لحاجة لعلي أراكم أو أرى مــــــن يراكـم
حكاية قال ذو النون المصري يرجمون رجلا فقلت لهم في ذلك فقالوا مجنون يزعم أنه يرى ربه فدنوت منه فأخبرته بذلك فقال لو احتجب عني طرفة عين لتقطعت من ألم البين ثم قال
طلب الـحبيب من الحبيب رضـاه و منى الحبيب من الحبيب لقـاه
أبــــــــــدا يلاحظه بأعين قلبـــــه و القلب يـــــــعرف ربـــه و يراه
يرضى الحبيب من الحبيب بقربه دون الــــــبعـاد فما يريد ســــواه
و قال الشبلي في هذا
جمالك في عيني و ذكرك في قلبي وحبك في قلبـــي فأيـن تغيب
عن أبي ادريس الحولاني قال قلت لمعاذ بن جبل و الله اني لاحبك لله فقال ،قلت الله ؛فقال الله .قال فأخذني بحبوة ردائي فجدبني اليه .و قال أبشر فاني سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول :قال الله تعالى وجبت محبتي للمتحابين في و المتجالسين في و المتزاورين في و المتبادلين في
و أوحى الله تعالى الى داوود عليه السلام ذكري للذاكرين ،وجنتي للعابدين،وزيارتي للمشتاقين ،وأنا خاصة المحبين
وروي عن برديتة (ض) عن النبي صلى الله عليه و سلم قال :" أن في الجنة غرفا ترى ظواهرها من بواطنهــــا، و بواطنها من ظواهرها أعدها الله للمتحابين فيه و المتزاورين فيه و المتبادلين فيه" رواه الطبراني في الاوسط
وفي الحديث للبخاري: أن رجلا من أهل البادية أتى النبي صلى الله عليه و سلم فقال : يا رسول الله متى الساعة قائمة؟ قال ما أعددت لها ؟ قال ما أعددت لها الا أني أحب الله و رسوله. قال انك مع من أحببت وقال و نحن كذلك ؟ قال نعم ففرحنا يومئذ فرحا شديدا
محبة العبد لله تعالى تعلق القلب بذكره،ودوام الشغف به و التنعم بمناجاته،و التلذذ بخدمته وصدق الشوق اليه و الاكتفاء به عن كل ما سواه
قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ثلاث من كن فيه فقد استكمل الايمان من كان الله و رسوله أحب اليه مما سواهما أن يحب المرء لا يحبه إلا لله و أن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقده الله منه كما يكره أن يقذف في النار
قال الحسن :"من عرف ربه أحبه، و من عرف الدنيا زهدها. وقال هرم بن حبان المؤمن إذا عرف ربه أحبه وإذا أحبه أقبل عليه وإذا وجد حلاوة الإقبال عليه لم ينظر إلى الدنيا بعين الشهوة. و قال يحيى بن معاذ مثقال خردلة من الحب أحب إلي من عبادة سبعين سنة بلا حب
و أوحى الله تعالى إلى عيسى عليه السلام إني إذا اطلعت على سر عبدي فلم أجد فيه حب الدنيا و الآخرة ملأته من حبي ، وتوليته بحفظي
و قال أبو يزيد :"الحب دهش في لذة و حيرة في نعيم" و قال سهل بن عبد الله :"المحبة عطف الله بقلب عبده الى مشاهدته بعد فهم المراد منه
و أوحى الله تعالى الى آدم عليه السلام :"من أحب حبيبا صّدق قوله و من آنـس بحبيبه رضي فعله ، ومن اشتاق اليه جد في سيره
يقال أن المحبة شيء عظيم يقذف في القلب فتكون حركة الانسان سالمة مع الخلق في سائر أعماله ظاهرة و باطنه
و قال الحسين بن المنصور حقيقة المحبة قيامك مع محبوبك بخلع أوصافك
و يقال المحبة تشويش في القلوب يقع من المحبوب
و تساءلت رابعة فقالت ذات يوم من يدلنا على حبيبنا ،فقالت خادمة لها حبيبنا معنا و لكن الدنياى قطعتنا عنه و قالت من شعرها
أحـــبك حبين :حب الهــــوى وحـــــــبـــا لانــــــك أهل لذلك
أمـا الذي هـــو حب الهـــوى فشغلـــي بذكرك عمـــن سواك
و أمــــــا الـذي أنــت أهل له فكـشـفـك للحجـــب حتـى أراك
و قال صاحب القوت في هذه الابيات بكلام ساطع الانوار قال المصنف "لعلها أرادت "بحب الهوى " حب الله لإحسانه إليها و إنعامه عليها بحظوظ العاجلة "و بحبه لما هو أهل له " الحب لجماله و جلاله الذي انكشف لها و هو أعلى الحبين فقد أشار بذلك الى أن كلامها يدل على أن المحبة بهذا السبب أقوى الأسباب و أتبثها دواما
و أما صاحب القوت فقال "فأما قولها "حب الهوى "وقولها "أنت أهل له "و تفرقتها بين الحبين يحتاج الى تفصيل حتى يقف عليه من لا يعرفه ويخبره من لم يشهده. و في تسميته ونعت وصفه انكار من ذوي العقول ممن لا ذوق له منه و لاقدر له به ،و لكنا نجمل ذلك و ندل عليه من عرفه : معنى حب الهوى أي رأيتك فأحببتك عن مشـاهدة اليقين لا من خبـر و سمع تصديق،من طريق النعم و الاحسان، فتختلف محبتي اذا تغيرت الافعال لاختلاف ذلك على؛ ولكن محبتي من طريقة العيان ،فقـربت منك ، و هربت اليك ، فاشتغلت بك لما تفرغت لك ، كماقال المحب
فرغت قلبها اشتغــالا بذكري و كذا كل فارغ مشغـــول
و على هذا المعنى قوله تعالى :"وأصبح فؤاد أم موسى فارغا"، أي ملآن بذكره حتى فاض فكادت أن تظهره فتقول : هو ابني. فعبر عن الملء بالفراغ من ضده ، لولا أن أولينا عليه بربطنا فكظمت، و لولم تفعل لأظهرت ، ولو أظهرت لقتل
و أما الحب الثاني الذي هو أهل له: تعني حب التعظيم و الإجلال لوجهه العظيم ذي الجلال تقول: ثم إني مع ذلك لا أستحق على هذا الحب و لا أستهل أن أنظر إليك في الآخرة على الكشف و العيان في محل الرضوان ،لأن حبي لك لا يوجب لك جزاء عليه بل يوجب علي كل شيء ، مما لا أطيقه و لا أقوم بحقك فيه أبدا ،اذ كنت قد أحببتك فلزمني خوف التقصير، ووجب علي الحياء من قلة الوفـــاء و الخوف لما تعرضت به من حبك، اذ ليس كمثله شيء كما قال المحب
اذا تفكـــرت في هــواي له لمست رأسي :هل طار عن جسـد؟
لولا أن الحب ينطق و الشوق يقلق، و الوجد يحرق فالمحب لا يلام لغيب النفس عنه، و الا نام تقول تفضلت علي بفضل كرمك ، وما أنت له أهل من تفضلك، فأريتني وجهك عندك آخرا، كما أريتنيه اليوم عندك أولا؛ فلك علي ما تفضلت به في ذلك عندي في الآخرة و لاحمد لي في ذا ها هنا. ولا الحمد في ذاك هناك، اذ كنت أنا وصلت اليها بك؛فأنت المحمود فيهما لأنك وصلتني بهما
الرسالة القشيرية في باب الرضا:"و سئلت رابعة متى يكون العبد راضيا ، فقالت اذا سرته المصيبة كما سرته النعمة
"و قال رجل لرابعة: اني أكثرت من الذنوب و المعاصي، فلو تبت، هل يتوب علي؟ فقالت لا. بل لو تاب عليك لتبت
"قالت رابعة في مناجاتها :الهي أتحرق بالنار قلبا يحبك ؟ فهتف بها هاتف:ما كنا نفعل هذا؛ فلا تظني بنا ظن السوء "
وقال رباح القيسي قال شهدنا رابعة و جاءها رجل بأربعين دينارا فقال تستعينين بها على قضاء بعض حوائجك؛ فبكت ثم رفعت رأسها الى السماء فقالت هو يعلم أني استحيي منه أن أسأله الدنيا و هو يملكها فكيف أنا أريد أن آخذها ممن لا يملكها
أشـار النبي صلى الله عليه و سلم في خطبة لما قدم المدينة:"أحبوا الله من كل قلوبكم"كما ذكر ابن اسحاق في سيرته فمتى امتلأ القلب بعظمة الله تعالى محا ذلك من القلب كل ما سواه و لم يبق للعبد شيء من نفسه و هواه ولا ارادة الا لما يريده منه مولاه، فحينئذ لا ينطق العبد الا بذكره و لا يتحرك الا بأمره، فان نطق ومن هذا قال سليمان التيمي أنه لا يحسن أن يعصى الله. وأوصت امرأة من السلف أولادها فقالت لهم: تعودوا حب الله و طاعته، فإن المتقين ألفوا بطاعة الله فاستوحشت جوارهم من غيرها، فإن عرض لهـم الملعــون بالمعصية مرت المعصية بهم محتشمة فهم لها منكرون. وقوله "لئن سألني لأعطينه ، و لئن استعاذني لأعيذنه "و في رواية أخرى "ان دعاني أجبته وان سألني أعطينه"يعني أن هذا المحبوب المقرب له عند الله منزلة خاصة تقتضي أنه اذا سأل الله شيئا أعطاه إياه، و اذا استعاذ به من شيء أعاذه منه، وان دعاه أجابه، فيصير مجاب الدعاء لكرامته على الله تعالى، وقد كـان كثير من السلف الصالح معروفا باجابة الدعاء و في الصحيح أن الربيع بنت النضر كسرت تنية جارية، فعرضوا عليهم الأرش فأبوا، فطلبوا منهم العفو فأبوا فقضى بينهم رسول الله صلى الله عليه و سلم بالقصاص، فقال أنس بن النضيـر أتكسر ثنيةالربيع، و الذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها، فـرضى القوم و أخذوا الأرش، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم "ان من عباد الله لو أقسم على الله لأبره
و في صحيح الحاكم عن أنس عن النبي صلى الله عليه و سلم:"كم من ضعيف متضاعف ذي طمرين لو أقسم على الله لأبره منهم البراء بن مالك"وان البراء لقي زحفــا من المشركين فقال له المسلمون:أقسم على ربك، فقال: أقسم على ربك، فقال أقسمت عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم، فمنحهم أكتافهم، ثم التقوا مرة أخرى فقالوا أقسم على ربك، فقال أقسمت عليك يـا رب لما منحتنا أكتافهم و ألحقني بنبيك صلى الله عليه و سلم فمنحهم أكتافهم وقتل البراء.و كان سعد بن أبي وقاص مجاب الدعـوة، فكذب عليه رجل فقال:اللهم ان كان كاذبا فأعم بصره و أطل عمره وعرضه للفتن فأصاب الرجل ذلك كله، فكان يتعـرض للجواري في السكك و يقول شيخ كبير مفتون أصابتني دعوة سعد ونازعته امرأة سعيد بن زيد في أرض له فادعت أنه أخذ منها أرضها، فقال:اللهم ان كانت كاذبة فأعم بصرها و اقتلها في أرضها فعميت، فبينما هي ذات ليلة تمشي في أرضها اذ وقعت في بئر فيها فماتت
وأن الكلام على المحبة ليطول اذا أردنا الخوض فيه و رغم ذلك هو المثل الاعلى في صميم ما جاءنا به الخبر اليقين من سيدنا و مولانا رسول الله صلى الله عليه و سلم قال داوود فيما يخاطب ربه يا رب، أي عبادك أحب اليك أحبك بحبه؟ قال يـا داوود أحب عبادي الي: تقي القلب.نقي الكفين لا يأتي الى أحد سوءا.و لايمشي بالنميمة.تزول الجبال و لايزول، أحبنــي، وأحب من يحبني.و حببني الى عبادي.قال يا رب انك لتعلم أني أحبك، وأحب من يحبك، فكيف أحببك الـى عبادك ؟ فقال:ذكرهم بآلآئي و بلائي و نقمائي.يا داوود انه ليس من عبد يعين مظلوما، أو يمشي معـه في مظلمته الا أتبت قدمه يوم تزول الأقدام رواه البيهقي و ابن عساكر (ض) و شرحت بعض معانيه من الحديث حرص داوود على محبته لله رغم أن الله قد أعطاه الملك و الحكمة و علمه مما يشـــاء و سخر معه الجبــال يسبحن بالعشي و الإشراق و الطير محشورة كل له أواب، ومنحه اجمل صوت في الوجود.و أعطاه (الزبور)و الزبـور ليس فيه أوامر ونواه، وليس فيه أحكام، ولكنه حكم ومواعظ وكان داود يتغنى بالزابـور فاذا قرأه متغنيــا به احتشدت الطيور جميعا حوله، وسكن الكون لله ورددت الجبال و الطيور و راءه ما يقول.ورغم هذا العطـاء الرباني لداود إلا أنه كان حريصا على المزيد من حب الله تبارك وتعالى على ما في الوجود,وهو أعظم الآمــال جميعا,فلا يـرجو العبد الصالح مهما قرب من الله أكبر من حب الله تبارك و تعالى لأن الله اذا أحب عبدا أحب كل شيء في الوجود.أي عبادك أحب اليك أحبه بحبك ؟ و بهذه المناسبة كان للنبي صلى الله عليه و سلم صحابي تغيب بعض الايـام,فتفقده رســــول الله صلى الله عليه و سلم في المسجد فلم يجده,فسأل في استدعائه,فجاء فسأله النبي صلى الله عليه و سلم:"ما حبسك عنا ؟"فبكى الرجل و قال:"يا رسول الله أنت الآن معنا نراك و نجلس معك ونسمع كلامك,وغدا لا نراك,وان كنا من أهل الجنة فمقامك غير مقامك,ومكـاننا غير مكـانك و أيضـا لن نراك,فحين ذكرت ذلك لزمني الحزن و لزمت داري أبكي ".فقـاله النبي صلـى الله عليه و سلم:"نت مع من تحب,يحشر المرء مع من أحب
اللهم اجعلنا من المتحابين فيك، اللهم اجعلنا من الشمكرين، اللهم اغفــر لنا ولوالدينا و لأشيـاخنا ولجميــع المسلمين و المسلمات آمين
و قال أبو يزيد البسطامي :"إن لله شرابا في الدنيا ادخره في كنوز ربوبيته ليسقيه أولياءه في ميدان محبته على منابر كرامته فإذا شربوا طربوا فإذا طربوا طاشوا فإذا طاشوا عاشوا، فإذا عاشوا طاروا فإذا طاروا وصلوا فإذا وصلوا اتصلوا فهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر
وقال :" شربت الحب بعد كأس فلا نفذ الشراب ولا رويت. في تفسير نجم الدين النسفي في قوله تعالى "و سقاهم ربهم شرابا طهورا":هو ادخره الله تعالى لأهل محبته فاذا شربوا طربوا فاذا طربوا هاموا فاذا هاموا طاشوا فاذا طاشوا طاروا فاذا طاروا طلبوا فاذا طلبوا وجدوا (نالوا)نزلوا فاذا نزلوا قربوا فاذا قربوا كشفوا فاذا كشفوا شاهدوا
شاع موت الشبلي جاءه أصحابه فسألهم فأخبروه فقالوا جئنا لجنازتك؛ فقال واعجبا من أموات زاروا حيا فقيل له هل اشتقت الى الله تعالى قال لا لأن الشوق إلى غائب ،وما غاب عني طرفة عين
قال أبو الدرداء (ض) إن لله عبادا تطير قلوبهم الى الله اشتياقا لا يدركـها البـرق الخاطف فيتقلبــون في بساتين الأنس بالنزهة ويسكنون على سرير القرب منه
و قال الشاعر
حلفت يمينـا لا ألفت بــــــــــــــغيركـــم وأن فؤادي لا يحب ســـــــــواكـــم
سقاني الهوى كأسا من الحب مترعا فيا ليته لما سقانـي ســـــــــقاكـــم
و يا ليت ذاك الحب يـــــــقسم بيننـــا و داعي الهوى لما دعاني دعاكـم
فنحيــا جميعـا تحت ظـــــــــــل ودادكم ونعطي المنى منكم وتـعطوا مناكم
و إنـــي لآتي أرضــــــــــكم لا لحاجة لعلي أراكم أو أرى مــــــن يراكـم
حكاية قال ذو النون المصري يرجمون رجلا فقلت لهم في ذلك فقالوا مجنون يزعم أنه يرى ربه فدنوت منه فأخبرته بذلك فقال لو احتجب عني طرفة عين لتقطعت من ألم البين ثم قال
طلب الـحبيب من الحبيب رضـاه و منى الحبيب من الحبيب لقـاه
أبــــــــــدا يلاحظه بأعين قلبـــــه و القلب يـــــــعرف ربـــه و يراه
يرضى الحبيب من الحبيب بقربه دون الــــــبعـاد فما يريد ســــواه
و قال الشبلي في هذا
جمالك في عيني و ذكرك في قلبي وحبك في قلبـــي فأيـن تغيب
عن أبي ادريس الحولاني قال قلت لمعاذ بن جبل و الله اني لاحبك لله فقال ،قلت الله ؛فقال الله .قال فأخذني بحبوة ردائي فجدبني اليه .و قال أبشر فاني سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول :قال الله تعالى وجبت محبتي للمتحابين في و المتجالسين في و المتزاورين في و المتبادلين في
و أوحى الله تعالى الى داوود عليه السلام ذكري للذاكرين ،وجنتي للعابدين،وزيارتي للمشتاقين ،وأنا خاصة المحبين
وروي عن برديتة (ض) عن النبي صلى الله عليه و سلم قال :" أن في الجنة غرفا ترى ظواهرها من بواطنهــــا، و بواطنها من ظواهرها أعدها الله للمتحابين فيه و المتزاورين فيه و المتبادلين فيه" رواه الطبراني في الاوسط
وفي الحديث للبخاري: أن رجلا من أهل البادية أتى النبي صلى الله عليه و سلم فقال : يا رسول الله متى الساعة قائمة؟ قال ما أعددت لها ؟ قال ما أعددت لها الا أني أحب الله و رسوله. قال انك مع من أحببت وقال و نحن كذلك ؟ قال نعم ففرحنا يومئذ فرحا شديدا
محبة العبد لله تعالى تعلق القلب بذكره،ودوام الشغف به و التنعم بمناجاته،و التلذذ بخدمته وصدق الشوق اليه و الاكتفاء به عن كل ما سواه
قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ثلاث من كن فيه فقد استكمل الايمان من كان الله و رسوله أحب اليه مما سواهما أن يحب المرء لا يحبه إلا لله و أن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقده الله منه كما يكره أن يقذف في النار
قال الحسن :"من عرف ربه أحبه، و من عرف الدنيا زهدها. وقال هرم بن حبان المؤمن إذا عرف ربه أحبه وإذا أحبه أقبل عليه وإذا وجد حلاوة الإقبال عليه لم ينظر إلى الدنيا بعين الشهوة. و قال يحيى بن معاذ مثقال خردلة من الحب أحب إلي من عبادة سبعين سنة بلا حب
و أوحى الله تعالى إلى عيسى عليه السلام إني إذا اطلعت على سر عبدي فلم أجد فيه حب الدنيا و الآخرة ملأته من حبي ، وتوليته بحفظي
و قال أبو يزيد :"الحب دهش في لذة و حيرة في نعيم" و قال سهل بن عبد الله :"المحبة عطف الله بقلب عبده الى مشاهدته بعد فهم المراد منه
و أوحى الله تعالى الى آدم عليه السلام :"من أحب حبيبا صّدق قوله و من آنـس بحبيبه رضي فعله ، ومن اشتاق اليه جد في سيره
يقال أن المحبة شيء عظيم يقذف في القلب فتكون حركة الانسان سالمة مع الخلق في سائر أعماله ظاهرة و باطنه
و قال الحسين بن المنصور حقيقة المحبة قيامك مع محبوبك بخلع أوصافك
و يقال المحبة تشويش في القلوب يقع من المحبوب
و تساءلت رابعة فقالت ذات يوم من يدلنا على حبيبنا ،فقالت خادمة لها حبيبنا معنا و لكن الدنياى قطعتنا عنه و قالت من شعرها
أحـــبك حبين :حب الهــــوى وحـــــــبـــا لانــــــك أهل لذلك
أمـا الذي هـــو حب الهـــوى فشغلـــي بذكرك عمـــن سواك
و أمــــــا الـذي أنــت أهل له فكـشـفـك للحجـــب حتـى أراك
و قال صاحب القوت في هذه الابيات بكلام ساطع الانوار قال المصنف "لعلها أرادت "بحب الهوى " حب الله لإحسانه إليها و إنعامه عليها بحظوظ العاجلة "و بحبه لما هو أهل له " الحب لجماله و جلاله الذي انكشف لها و هو أعلى الحبين فقد أشار بذلك الى أن كلامها يدل على أن المحبة بهذا السبب أقوى الأسباب و أتبثها دواما
و أما صاحب القوت فقال "فأما قولها "حب الهوى "وقولها "أنت أهل له "و تفرقتها بين الحبين يحتاج الى تفصيل حتى يقف عليه من لا يعرفه ويخبره من لم يشهده. و في تسميته ونعت وصفه انكار من ذوي العقول ممن لا ذوق له منه و لاقدر له به ،و لكنا نجمل ذلك و ندل عليه من عرفه : معنى حب الهوى أي رأيتك فأحببتك عن مشـاهدة اليقين لا من خبـر و سمع تصديق،من طريق النعم و الاحسان، فتختلف محبتي اذا تغيرت الافعال لاختلاف ذلك على؛ ولكن محبتي من طريقة العيان ،فقـربت منك ، و هربت اليك ، فاشتغلت بك لما تفرغت لك ، كماقال المحب
فرغت قلبها اشتغــالا بذكري و كذا كل فارغ مشغـــول
و على هذا المعنى قوله تعالى :"وأصبح فؤاد أم موسى فارغا"، أي ملآن بذكره حتى فاض فكادت أن تظهره فتقول : هو ابني. فعبر عن الملء بالفراغ من ضده ، لولا أن أولينا عليه بربطنا فكظمت، و لولم تفعل لأظهرت ، ولو أظهرت لقتل
و أما الحب الثاني الذي هو أهل له: تعني حب التعظيم و الإجلال لوجهه العظيم ذي الجلال تقول: ثم إني مع ذلك لا أستحق على هذا الحب و لا أستهل أن أنظر إليك في الآخرة على الكشف و العيان في محل الرضوان ،لأن حبي لك لا يوجب لك جزاء عليه بل يوجب علي كل شيء ، مما لا أطيقه و لا أقوم بحقك فيه أبدا ،اذ كنت قد أحببتك فلزمني خوف التقصير، ووجب علي الحياء من قلة الوفـــاء و الخوف لما تعرضت به من حبك، اذ ليس كمثله شيء كما قال المحب
اذا تفكـــرت في هــواي له لمست رأسي :هل طار عن جسـد؟
لولا أن الحب ينطق و الشوق يقلق، و الوجد يحرق فالمحب لا يلام لغيب النفس عنه، و الا نام تقول تفضلت علي بفضل كرمك ، وما أنت له أهل من تفضلك، فأريتني وجهك عندك آخرا، كما أريتنيه اليوم عندك أولا؛ فلك علي ما تفضلت به في ذلك عندي في الآخرة و لاحمد لي في ذا ها هنا. ولا الحمد في ذاك هناك، اذ كنت أنا وصلت اليها بك؛فأنت المحمود فيهما لأنك وصلتني بهما
الرسالة القشيرية في باب الرضا:"و سئلت رابعة متى يكون العبد راضيا ، فقالت اذا سرته المصيبة كما سرته النعمة
"و قال رجل لرابعة: اني أكثرت من الذنوب و المعاصي، فلو تبت، هل يتوب علي؟ فقالت لا. بل لو تاب عليك لتبت
"قالت رابعة في مناجاتها :الهي أتحرق بالنار قلبا يحبك ؟ فهتف بها هاتف:ما كنا نفعل هذا؛ فلا تظني بنا ظن السوء "
وقال رباح القيسي قال شهدنا رابعة و جاءها رجل بأربعين دينارا فقال تستعينين بها على قضاء بعض حوائجك؛ فبكت ثم رفعت رأسها الى السماء فقالت هو يعلم أني استحيي منه أن أسأله الدنيا و هو يملكها فكيف أنا أريد أن آخذها ممن لا يملكها
أشـار النبي صلى الله عليه و سلم في خطبة لما قدم المدينة:"أحبوا الله من كل قلوبكم"كما ذكر ابن اسحاق في سيرته فمتى امتلأ القلب بعظمة الله تعالى محا ذلك من القلب كل ما سواه و لم يبق للعبد شيء من نفسه و هواه ولا ارادة الا لما يريده منه مولاه، فحينئذ لا ينطق العبد الا بذكره و لا يتحرك الا بأمره، فان نطق ومن هذا قال سليمان التيمي أنه لا يحسن أن يعصى الله. وأوصت امرأة من السلف أولادها فقالت لهم: تعودوا حب الله و طاعته، فإن المتقين ألفوا بطاعة الله فاستوحشت جوارهم من غيرها، فإن عرض لهـم الملعــون بالمعصية مرت المعصية بهم محتشمة فهم لها منكرون. وقوله "لئن سألني لأعطينه ، و لئن استعاذني لأعيذنه "و في رواية أخرى "ان دعاني أجبته وان سألني أعطينه"يعني أن هذا المحبوب المقرب له عند الله منزلة خاصة تقتضي أنه اذا سأل الله شيئا أعطاه إياه، و اذا استعاذ به من شيء أعاذه منه، وان دعاه أجابه، فيصير مجاب الدعاء لكرامته على الله تعالى، وقد كـان كثير من السلف الصالح معروفا باجابة الدعاء و في الصحيح أن الربيع بنت النضر كسرت تنية جارية، فعرضوا عليهم الأرش فأبوا، فطلبوا منهم العفو فأبوا فقضى بينهم رسول الله صلى الله عليه و سلم بالقصاص، فقال أنس بن النضيـر أتكسر ثنيةالربيع، و الذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها، فـرضى القوم و أخذوا الأرش، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم "ان من عباد الله لو أقسم على الله لأبره
و في صحيح الحاكم عن أنس عن النبي صلى الله عليه و سلم:"كم من ضعيف متضاعف ذي طمرين لو أقسم على الله لأبره منهم البراء بن مالك"وان البراء لقي زحفــا من المشركين فقال له المسلمون:أقسم على ربك، فقال: أقسم على ربك، فقال أقسمت عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم، فمنحهم أكتافهم، ثم التقوا مرة أخرى فقالوا أقسم على ربك، فقال أقسمت عليك يـا رب لما منحتنا أكتافهم و ألحقني بنبيك صلى الله عليه و سلم فمنحهم أكتافهم وقتل البراء.و كان سعد بن أبي وقاص مجاب الدعـوة، فكذب عليه رجل فقال:اللهم ان كان كاذبا فأعم بصره و أطل عمره وعرضه للفتن فأصاب الرجل ذلك كله، فكان يتعـرض للجواري في السكك و يقول شيخ كبير مفتون أصابتني دعوة سعد ونازعته امرأة سعيد بن زيد في أرض له فادعت أنه أخذ منها أرضها، فقال:اللهم ان كانت كاذبة فأعم بصرها و اقتلها في أرضها فعميت، فبينما هي ذات ليلة تمشي في أرضها اذ وقعت في بئر فيها فماتت
وأن الكلام على المحبة ليطول اذا أردنا الخوض فيه و رغم ذلك هو المثل الاعلى في صميم ما جاءنا به الخبر اليقين من سيدنا و مولانا رسول الله صلى الله عليه و سلم قال داوود فيما يخاطب ربه يا رب، أي عبادك أحب اليك أحبك بحبه؟ قال يـا داوود أحب عبادي الي: تقي القلب.نقي الكفين لا يأتي الى أحد سوءا.و لايمشي بالنميمة.تزول الجبال و لايزول، أحبنــي، وأحب من يحبني.و حببني الى عبادي.قال يا رب انك لتعلم أني أحبك، وأحب من يحبك، فكيف أحببك الـى عبادك ؟ فقال:ذكرهم بآلآئي و بلائي و نقمائي.يا داوود انه ليس من عبد يعين مظلوما، أو يمشي معـه في مظلمته الا أتبت قدمه يوم تزول الأقدام رواه البيهقي و ابن عساكر (ض) و شرحت بعض معانيه من الحديث حرص داوود على محبته لله رغم أن الله قد أعطاه الملك و الحكمة و علمه مما يشـــاء و سخر معه الجبــال يسبحن بالعشي و الإشراق و الطير محشورة كل له أواب، ومنحه اجمل صوت في الوجود.و أعطاه (الزبور)و الزبـور ليس فيه أوامر ونواه، وليس فيه أحكام، ولكنه حكم ومواعظ وكان داود يتغنى بالزابـور فاذا قرأه متغنيــا به احتشدت الطيور جميعا حوله، وسكن الكون لله ورددت الجبال و الطيور و راءه ما يقول.ورغم هذا العطـاء الرباني لداود إلا أنه كان حريصا على المزيد من حب الله تبارك وتعالى على ما في الوجود,وهو أعظم الآمــال جميعا,فلا يـرجو العبد الصالح مهما قرب من الله أكبر من حب الله تبارك و تعالى لأن الله اذا أحب عبدا أحب كل شيء في الوجود.أي عبادك أحب اليك أحبه بحبك ؟ و بهذه المناسبة كان للنبي صلى الله عليه و سلم صحابي تغيب بعض الايـام,فتفقده رســــول الله صلى الله عليه و سلم في المسجد فلم يجده,فسأل في استدعائه,فجاء فسأله النبي صلى الله عليه و سلم:"ما حبسك عنا ؟"فبكى الرجل و قال:"يا رسول الله أنت الآن معنا نراك و نجلس معك ونسمع كلامك,وغدا لا نراك,وان كنا من أهل الجنة فمقامك غير مقامك,ومكـاننا غير مكـانك و أيضـا لن نراك,فحين ذكرت ذلك لزمني الحزن و لزمت داري أبكي ".فقـاله النبي صلـى الله عليه و سلم:"نت مع من تحب,يحشر المرء مع من أحب
اللهم اجعلنا من المتحابين فيك، اللهم اجعلنا من الشمكرين، اللهم اغفــر لنا ولوالدينا و لأشيـاخنا ولجميــع المسلمين و المسلمات آمين
بسم الله الرحمن الرحيم و الصلاة و السلام على سيد الكونين وعلى اله و صحبه و سلم تسليما كثيرا.
الصالحون أربعة أقسام : سالك ، ومجذوب ، وسالك متدارك بالجذبة ،ومجذوب متدارك بالسلوكفالسالك المجرد لا يُؤهَّل للمشيخة ولا يبلغها لبقاء صفات نفسه عليه فيقف عند حظه من الله تعالى في مقام المعاملة والرياضة ولا يرتقي إلى حال يُرَوِّحُ بها عن وهج المكابدة
والمجذوب المجرد من غير سلوك يبادئه الحق بآيات اليقين ويرفع عن قلبه شيئاً من الحجاب ولا يؤخذ في طريق المعاملة وللمعاملة أثر تام وهذا أيضاً لا يؤهل للمشيخة ويقف عند حظه من الله تعالى مروحاً بحاله غير مأخوذ في طريق أعماله ما عدا الفريضة،
والسالك الذي تدورك بالجذبة هو الذي كانت بدايته المجاهدة والمكابدة والمعاملة بالإخلاص أو الوفاء ثم أخرج من وهج المكابدة إلى روح الحال فوجد العسل بعد العلقم وتروح بنسمات الفضل وبرز من مضيق المكابدة إلى متسع المساهلة ، وأونس بنفحات القرب ، وفُتح له باب من المشاهدة فَوَجَدَ دواءه ، وفَاض وعاءه ، وصدرت منه كلمات الحكمة ، ومالت إليه القلوب ، وتوالى عليه فتوح الغيب ، وصار ظاهره مسدداً وباطنه مشاهداً ، وصلح للخلوة ، وصار له في جلوته خلوة ، فيغلب ولا يغلب ، ويفترس ولا يفترس ، يؤهل مثل هذا للمشيخة لأنه أخذ في طريق المحبين ، ومُنِحَ حالاً من أحوال المقربين بعدما دخل في أعمال الأبرار الصالحين ، ويكون له أتباع ينتقل منه إليهم علوم ويظهر بطريقه بركة ، ولكن قد يكون محبوساً في حاله محكماً حاله فيه لا يطلق من وثاق الحال ولا يبلغ كمال النوال ، يقف عند حظه وهو حظ وافر سني ، والذين أوتوا العلم درجات ، ولكن المقام الأكمل في المشيخة
القسم الرابع وهو المجذوب المتدارك بالسلوك يبادئه الحق بالكشوف وأنوار اليقين ويرفع عن قلبه الحجب ويستنير بأنوار المشاهدة وينشرح وينفسح قلبه ويتجافى عن دار الغرور وينيب إلى دار الخلود ويرتوي من بحر الحال ويتخلص من الإعلال والأغلال، يقول معلناً
لا أعبد رباً لم أره ، ثم يفيض من باطنه على ظاهره ويجري عليه صور المجاهدة والمعاملة من غير مكابدة وعناء بل بلذاذة وهناء ، يصير قالبه بصفة قلبه لامتلاء قلبه فيزيده الله تعالى إرادة خاصة ، ويُرزق محبة خاصة من محبة المحبوبين المرادين ، ينقطع فيواصل، ويعرض فيراسل ، يذهب عنه جمود النفس ، ويصطلي بحرارة الروح ، وينكمش عن قلبه عروق النفس ،
قال الله تعالى : ( اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ )( 1) ، أخبر أن الجلود تلين كما أن القلوب تلين ، ولا يكون هذا إلا حال المحبوب المراد ، فالمحبوب المراد الذي أهل للمشيخة سَلَّمَ قلبه ، وانشرح صدره ، ولان جلده ، فصار قلبه بطبع الروح ، ونفسه بطبع القلب ، ولانت النفس بعد أن كانت أمارة بالسوء مستعصية ، ولان الجَلد لِلين النفس ورد إلى صورة الأعمال بعد وجدان الحال ولا تزال روحه تنجذب إلى الحضرة الإلهية فيستتبع الروح القلب ويستتبع القلب النفس ويستتبع النفس القالب فامتزجت الأعمال القلبية والقالبية وانخرق الظاهر إلى الباطن والباطن إلى الظاهر والقدرة إلى الحكمة والحكمة إلى القدرة والدنيا إلى الآخرة والآخرة إلى الدنيا ، ويصح له أن يقول : لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً.
فعند ذلك يطلق من وثاق الحال ويكون مسيطراً على الحال أي مسلطاً عليه
لا الحال مسيطراً عليه ، ويكون حراً من كل وجه ، والشيخ الأول الذي أخذ في طريق المحبين حرٌ من رق النفس ، ولكن ربما كان باقياً في رق القلب ، وهذا الشيخ في طريق المحبوبين حر من رق القلب كما هو حر من رق النفس ، وذلك أن النفس حجاب ظلماني أرضي اعتق منه الأول أي الشيخ الأول ، والقلب حجاب نوراني سماوي اعتق منه الآخر ، فصار لربه لا لقلبه ، ولموقته لا لوقته ، فعبد الله حقاً وآمن به صدقاً ، ويسجد لله سواده وخياله ، ويؤمن به فؤاده ، ويقر به لسانه كما قال رسول الله 3 في بعض سجوده ، ولا يتخلف عن العبودية منه شعرة وتصير عبادته مشاكلة لعبادة الملائكة وليس هذا لمن أخذ في طريق المحبين
لا يستبشع صور الأعمال ويمتلئ بما أنيل من وجدان الحال ، وذلك قصور في العلم وقلة في الحظ ، ولو كثر العلم رأى ارتباط الأعمال بالأحوال كارتباط الروح بالجسد ، ورأى أن لا غنى عن الأعمال كما لا غنى في عالم الشهادة عن القوالب ، فما دامت القوالب باقية فالعمل باق ، ومن صح في هذا المقام الذي وصفناه هو الشيخ المطلق والعارف المحقق والمحبوب المعتق ، نظره دواء ، وكلامه دواء ، بالله ينطق ، وبالله يسكت كما ورد : ( لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت له سمعاً وبصراً ويداً ومؤيداً ، بي ينطق )، الحديث .
وقال القشيري رحمه الله فأما المصطلم عن شاهده ، المستوفي عن إحساسه بالكلية ، فإذا بطل عن جملته ونفسه وحسه وكذلك عن المكونات بأسرها ثم ما دام به هذه الغيبة فهو محو فلا علم ولا عقل ولا فهم ولا حس ولا تلوين ولا تمكين ولا مقام ولا حال ، وما دام بهذا الوصف فلا تشريف ولا تكليف ، اللهم إلا أن يرد بما يجري عليه من غير شيء منه ، ومعنى قوله ( اللهم إلا أن يرد إلى آخره ) أن يأتي بالتكاليف التي أوجبها الله تعالى عليه من غير تعب ولا عناء بل بلذاذة وهناء .
قال ابن عطاء الله فأرباب الحديث يكشف لهم عن كمال ذاته ثم يردهم إلى شهود صفاته ثم يرجعهم إلى التعلق بأسمائه ثم يردهم إلى شهود آثاره ، والسالكون على عكس هذا فنهاية السالكين بداية المجذوبين ، وبداية السالكين نهاية المجذوبين، لا بمعنى واحد فربما التقيا في الطريق هذا في ترقيَّه وهذا في تدليَّه .
وقال سيد الطائفة الجنيد قدس الله روحه : وسنة الله تعالى مع القاصدين مختلفة فأكثرهم يوفقون للمجاهدات ثم يصلون بعد مقاسات اللتيا والتي إلى أسنى المعالي ، وكثير منهم يُكاشفون في الابتداء ويصلون إلى ما لم يصلِ إليه كثير من أصحاب الرياضات إلا أن أكثرهم يردون إلى المجاهدات بعد هذه الأرفاق ليستوفي منهم ما فاتهم من أحكام أهل الرياضات .
قال الشيخ جبريل الخرمابادي قدس الله سره : واعلم أن الشيخ يجب أن يكن كاملاً واصلاً قد تجلى الله تعالى له في ذاته وصفاته التسعة والتسعين فما بقيت صفة يكون ناقصاً ، وينبغي أن يكون سالكاً مجذوباً أو مجذوباً سالكاً ، فالسالك الأبتر وهو الذي اجتهد وسلك طريق المعاملة والرياضة لكنه لم يصلِ إلى روح الحال ولم يتصل كسبه بالموهبة ولم يتدارك سلوكه بالجذبة
لا يصلح للاقتداء لأنه بَعِدٌ في الطريق ، غير واصل ، إذ الواصل لا يكون إلا بالجذبة ، فكيف يُوصِل غيره ؟
ولأن الشيخ يجب أن يكون مقبول الحضرة ، وبينه وبين الله باب مفتوح دائماً ينزل الحوائج كلما أراد ، والسالك الأبتر لم يرتق لهذا المقام .
والمجذوب الأبتر وهو الذي هبت عليه نسمات الموهبة لكنه لم يسلك طريق الرياضة والمجاهدة والمعاملة ولم يكن تحت حكم شيخ لا يصلح أيضاً إذ المجذوب على نوعين : واصل ، وغير واصل .
أما غير الواصل فهو طفل الطريق فحكمه حكم السالك الأبتر بل أقل منه في الاقتداء به إذ السالك الأبتر يعرف بعض علامات الطريق ولأنه صحت له نسبة البنوة إلى حضرة النبوة ، بخلاف المجذوب الغير الواصل .
وأما الواصل فإنه وإن قطع بوادي الطريق وبلغ مبلغ الرجال لكنه غير عارف بعلامات الطريق إذ مثله مثل من قطع البرية ووصل إلى الكعبة لكنه كان في المجازة فإنه وإن كان حاجاً لكنه غير مفتوح العين ولم يحصل له الوقوف على المنازل والمراحل والطرق وعلاماتها فكيف يصلح دليلاً لغيره؟ ومعنى آخر أنه لم يتعلم هذه الصنعة ولم يحصلها بالكسب ولم يحصل له تجربة وعلم بالمضار والمنافع والآفات فكيف يعلم غيره ولم يسلك طريق الكسب ولم يعبر فيها فكيف يسلك فيها غيره ؟ فمثله كمثل من عثر على كنز ولم يسع في تحصيله ولم يباشر سبباً من أسباب الكسب ، هل يصح مثل هذا أن يتصد للتعليم ويعلم الناس أنواع الكسب من التجارة والمعاملة والحراثة والكيمياء وغير ذلك ؟ بل يجب عليه إن كان فطناً أن يجعل هذا الكنز آلة ويصرفه في طريق تحصيل العلم بالتحصيل والكسب فإذا جُعل له العلم بالتحصيل وهُدِيَ إلى الكسب ومهر في صنعته يعدُّ غنياً ، وإن كان صفر اليدين وإن اغتر بما في يده وأعجب بماله ولم يتعلم لا يعد من الأغنياء إلا عند الأغبياء إذ الذهب عُرضة للذهاب والتلف فإذا تطرق إليه آفة من الآفات فتلف ، وصاحبه غير عارف بطرق التحصيل لا يكون أسوأ حالاً منه ، لأنه مفلس له رعونة الاثرياء وكِبَرَهم ، ولا يرضى أن يكون محكوماً ما لم يعلم هذه الصنعة حتى يرده إلى حالته الأولى ويعلمه الصنعة بل يزل قدمه ويرى أنه على ذلك الحال فيبقى مظنة للرياء والنفاق ، وهنا كلام يقتضي الوقت ذكره ، وهو أن المقصد الأعلى التشبث بذيل إرادة الشيخ ، والاحتياج إلى تربيته أن يلقح باطن المريد ويصب في رحم إرادته نطفة الذكر .
والسالك الأبتر والمجذوب الذي ليس بواصل طفلاً لم يبلغ مبلغ الرجال فلا يجيء منهما التلقيح والإحبال . والمجذوب الواصل وإن بلغ مبلغ الرجال لكنه جاهل بكيفية التلقيح والإحبال ، ودقيقة أخرى أن المكمل على سبيل الأصالة إلى الحضرة النبوية وغيره إنما يكمل بالخلافة عنه إذا صحت نسبته إليه ، والمجذوب غير السالك لم يصح له نسبة البنوة إلى حضرة النبوة فكيف يكون خليفة عنه في التكميل .
وأما السالك المجذوب ، والمجذوب السالك ، فيصلحان للمشيخة والاقتداء بهما في الطريقة إذ مثلهما كمثل من قطع البرية بقدم الصدق مراراً بعد أن وصلِ إلى الكعبة وتكرر مجيئه وذهابه فيها ووقف على العلامات واحدة فواحدة فهو يصلح دليلاً لغيره ، ومن تبعه لا يضل ولا يشقى ، ومشايخ الطريقة رضوان الله عليهم أجمعين على هذه الصفة قطعوا بادية النفس وعرفوا كيدها وعبروا عقبات الهوى وحاربوا الشيطان ووقفوا له على هذين الحيالين الخداعين ، فمن أراد أن يصلِ إلى الكعبة الحقيقية فأمثال هذا لا يجوز أن يكون أمير الحاج ودليلهم ويقومون بمهابته وبما يحتاج إليه في الطريق وكم بين من حج على الجمل في المجازة وبين من قطع الطريق بقدميه وقاسا الشدائد والجوع والعطش وإن اشتركا في الحج فلا يظن أحداً أن هذا الطريق يمكن قطعها من غير دليل فيقطع عليه الطريق ، والذي يقضي منه بالعجب أن طالب سعدى وسلمى لا يصلِ إليهما مع وجود الجنسية والقرب القريب إلا بواسطة تهديه وتوصله ، وهذا العاقل يطمع أن يصلِ إلى الحضرة الإلهية مع ذلك البعد البعيد من غير واسطة ودليل ،
ما أهون عليك أمر ربك يا عاقل
بسم الله الرحمن الرحيم و الصلاة و السلام على سيد الكونين وعلى اله و صحبه و سلم تسليما كثيرا.
اخواني الكرام السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
مفهوم الختمية ليس بمفهوم جديد في ساحة السادة الصوفية و لكن يعد من خاصة
العلوم التي يرجع سندها الى رسول الله صلى الله عليه و سلم كالمشيخة و
الحديث و الفقه و القران الكريم و الحجامة المسندة على حد المثال. و لكن
الحكمة الالهية اقتضت ان تبقي الختمية محجوبة عن عامة الناس و حتى عن
الكثير من خاصة السادة الصوفية. فالختمية لعلو مقامها و لغموض مصطلحها لا
تعرف الا عند القليل من خاصة الخاصة من السادة الصوفية رضي الله عنهم.
اذن فما هو المفهوم الصحيح للختمية و ما هو دور الختمية في التصوف و ما
هي دلالات الختمية من القران الكريم و الحديث الشريف.
المفهوم
الصحيح للختمية هو انها تعريف بمقام من مقامات الولاية و يخص ولي من
اولياء الله يتقلد بهذا المقام و يسمى باسمه و هو الختم قدس الله سره. اذن
الختمية للختم كالغوثية للغوث و كالقطبانية للقطب و كالبدلية للبدل.
وعلى حد معلوماتي فان سيدي محي الدين بن عربي
هو اول من تكلم في مصطلح الختم في كتب السادة الصوفية و الله اعلم. و
لجهل الكثير من السادة الصوفية بمقام الختمية اطلقوا الكثير من الاسماء
على الختوم الكرام كل على ذوقه. فمنهم من سماه الغوث و منهم من سماه القطب
و الغوث القطب و القطب الفرد و
صاحب الزمان و صاحب الوقت و وارث
الحقيقة و الوارث المحمدي و الانسان الكامل و غيرها. اما اهل التحقيق و
المعرفة و الكشف من خاصة الصوفية الذين اكرمهم الله بمعرفة الختم و حقيقته
فيسمونه الختم. لان كل هذه الاسماء تدل على مقامات معلومة و مقام الختم
يفوقها باسرها. فمقام الختم هو اعلى مقام في دائرة الولاية في امة سيدنا
محمد صلى الله عليه و سلم و ان سمينا صاحبه غوثا او قطبا فقد نسيئ الادب
مع الله ورسوله و مع الختم بنفسه. و قد كان الكثير من الختوم الكرام
ينزهون انفسهم عن القطبانية او الغوثية لعلمهم بمقامهم. و كان على سبيل
المثال سيدي عبد العزيز الدباغ قدس
الله سره اذا سأله احد مريديه: هل انت القطب, يقول له: نزه شيخك عن
القطبانية, و اذا قال له: هل انت الغوث, يقول: نزه شيخك عن الغوثية لان سيدي عبد العزيز الدباغ قدس
الله سره كان يعرف مقامه الختمي. و كتب السادة الصوفية التي تخص الختوم
الكرام فيها الكثير من مثل هذه الاشارات و الدلالات على مقامهم الختمي
لمن كان له قلب سليم يفهم به.
و للمزيد من توضيح مفهوم الختمية
يجب علينا ان نفهم مصطلح الولي و وضيفته من جهة و مصطلح دائرة الولاية و
ترتيبها من جهة اخرى. فدائرة الولاية لها 360 وضيفة و تشبه شكل الدائرة
التي تحتوي على 360 درجة. و كل وضيفة من ال360 وضيفة وكل الله بها وليا من
اوايائه الكرام و لها علاقة مباشرة بسريان اسماء الله الحسنى للقيام
بشؤون الكون او للقيام بشؤون ذاته العالية كما يفهم البعض. و هذه الوضائف
مرتبة في مجموعات معلومة عند السادة الصوفية رضي الله عنهم التي
هي:مجموعة النقباء و مجموعة الابدال و مجموعة النجباء و مجموعة الاوتاد و
مجموعة الامامين و مجموعة القطب. و حتى ولو كان القطب شخصا واحدا فاننا
نتكلم على مجموعة القطب بنائا على مجموعة الاسماء الحسنى السارية به فيه.
و كل مجموعة موكلة تدريجيا بسريان اسماء الله الحسنى و مكلفة على قاعدة
الفاعل و المفعول به. فمثلا القطب تسري فيه جميع اسماء الله الحسنى و
يكون فيها فاعلا الا بالنسبة لاسم الجلالة "الله" يكون فيه القطب مفعول
به. و السبب بهذا يتعلق بالختم و سأعود اليه لاحقا. و الامامين تسري فيهم
جميع الاسماء بالفعل الا اسم "الله" و "الرحمن" و "الرحيم" فتسري فيهم
على قاعدة المفعول به. فاسم "الله" هو للختم كما قلنا و "الرحمن" و
"الرحيم" هما للقطب. وهكذا حال الاوتاد مع باقي الاسماء باستثناء "الاول و
الاخر و الضاهر و الباطن". و هكذا الى اخر مجموعة وضفية. و على حسب
الولي و مرتبته يكون سريان اسم من اسماء الله فيه اما فاعلا و اما مفعول
به. و لهذا يكون اسم الله الرزاق مرة فاعلا و اخرى مفعول به على حسب
الارادة و المشيئة الالهية. اذن باختصار فالولي هو سريان الاسماء في
الذات. و دائرة الولاية تحتوي دائما وفي جميع الازمنة على:
- قطب واحد و هو نقطة وسط الدائرة. و القطب هو نقطة التنزيل من الحضرة الختيمية و له في الدائرة 360 درجة من التصريف,
- و امامين اثنين وهما قطرين في الدائرة كعقرب البوصلة. رجل القطب اليمنى
على امام اليمين و رجله اليسرى على امام اليسار. و اليمين و اليسار ليس
هنا بمعنى الجهة و لكن بمعنى جهة الدوران في الدائرة. امام اليمين يدور
كطواف الحجاج على الكعبة و امام اليسار بالعكس. و السبب في هذا الفاعل و
المفعول به و الاسماء الاضداد, فيكون "النافع" دائما في توازن دائري مع
"الضار" ليكون النفع و الضر بالحكمة و القدرة التي ارادها الله سبحانه و
تعالى. و كل امام له 180 درجة من التصريف في الدائرة,
- واربعة اوتاد
وهم نقط على محيط الدائرة من الاربع الجهات المختلفة, جهة الشرق و جهة
الغرب و جهة الشمال و جهة الجنوب. و الاوتاد بهم يحفض توازن الدائرة كلها
كما حفض توازن الارض بالجبال. و لكل وتد 90 درجة من التصريف في الدائرة,
- و 12 نجباء وهم نقط على محيط الدائرة مثل ارقام الساعة و للنجباء وجهان:
في حالة سريان الاسماء الفاعلة يكون النجباء على وجه "لا اله الا الله" و
في حالة سريان الاسماء المفعول بها يكون النجباء على وجه "محمد رسول
الله" لان الله سبحانه و تعالى هو الفاعل الازلي و الحقيقة المحمدية "محمد
رسول الله" هي المفعول به الازلي. و سمي النجباء نجباء لان الاحكام
الالهية بهم تتفرق و تنشق منها الاقدار الالهية { وَقَطَّعْنَاهُمُ
اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا ۚ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ
إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ ۖ
فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ۖ قَدْ عَلِمَ كُلُّ
أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمَْ}, و قبل الحكمة و القدر كان هكذا الامر مع الارادة التي انشقى منها الكلام و الكلام الذي انشقت منه المشيئة {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}. و النجيب هنا بمعنى الاصيل الحسيب ولكل من النجباء 30 درجة من التصريف في الدائرة,
- و 40 ابدال في كل جهة عشرة من الابدال. و البدل لم يسمى بدلا لانه يبدل
بعد موته كما هو مشهور عند القوم فهذا يخص الدائرة بأسرها لان القطب
ايضا يبدل بعد موته و الامامين و كل ذي وضيفة يبدل بعد موته. فالبدل سمي
بدلا لانه يبدل سريان الاسماء بغيرها بنائا على مقتضي القاعدة الالهية
للدعاء و الاستجابة {وَقَالَ رَبُّكُمُ
ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ
عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} و {وَإِذَا
سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ
إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ
يَرْشُدُونَ}. فالله سبحانه يسري باسمه الرزاق مثلا فيهب لهذا مال و
لهذا ولد و لهذا صحة و لهذا علم. و البدل يبدل في حق العلم اسم الرزاق
باسم العالم و في حق الولد يبدل اسم الرزاق باسم الحي و هكذا على مقتضي
الدعاء و الاستجابة. و لكل بدل 9 درجة من الصريف في الدائرة,
- و 300
من النقباء. في كل جهة يوجد 75 نقيب. و معنى النقيب هو سيد القوم او
زعيمهم او كبيرهم. فلماذا اذن 300 نقيب؟ اعلم ان الله صرف لكل امة 12 نقيب
على عدد حروف "لا اله الا الله" و اعلم ان 24 امة سبقة سيدنا محمد صلى
الله عليه و سلم و بنا توجد 25 امة. فاذا ضربنا 25 في 12 تعطينا 300. و
لقد بين الله لنا في القران ان امة بني اسرائيل كان لها 12 نقيب {وَلَقَدْ
أَخَذَ اللَّـهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ
اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ۖ وَقَالَ اللَّـهُ إِنِّي مَعَكُمْ ۖ لَئِنْ
أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي
وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّـهَ قَرْضًا حَسَنًا
لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ
تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۚ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ
مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ}. و لما قضى الله ان يكون
سيدنا محمد رسول جميع الامم جمع الله له نقباء ال25 امة تحت رايته ليكون
حقا الرحمة المهدات للعالمين. و لهذا قال عز وجل:{كُنتُمْ
خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ
أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ
وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} اي انتم خير امة لان منكم 300 نقيب
يقومون بشؤون سائر الامم و قد كانت الامم من قبلكم لكل امة 12 نقيب منها
تقوم بشؤونها فقط, فانتم خير منهم و انتم ساداتهم و كبرائهم لانكم تنفعون
انفسكم و تنفعونهم, اما هم فلم ينفعوا الا انفسهم. و لهذا قال الحبيب
صلى الله عليه و سلم: { لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه} و بنائا على هذا الحديث قال:{لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من نفسه وماله وولده والناس}
ليبين لنا انه نقيب النقباء و سيد السادات و الرحمة المهدات. اذن
بالنقباء تنشق الاقدار من اسماء الالهية الى افعال الهية و توفى كل امة من
نقبائها ما كسبت و هم لا يضلمون {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّـهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ}. و لكل نقيب 1.2 درجة من التصريف في الدائرة
فمن
قام بعملية حسابية لعدد الوضائف التي ذكرت سيجد 359 وضيفة فقط (قطب
1+امامين 2 + 4 اوتاد + 12 نجباء + 40 ابدال + 300 = 359). اين الوضيفة
ال360 اذن؟هذه هي وضيفة الختم الذي يفوق القطب في مقامه و هو الذي ينوب عن
القطب في الدائرةان لم يكن موجودا لسبب ما. فكان للختم و للقطب 360 درجة
من التصريف في الدائرة.اذن فما هو الفرق بين الختم و القطب ان كان لهم
نفس التصريف؟ في الحقيقة الختم ليسموجود في الدائرة و لكن فوق الدائرة.
فهو من نضرة افقية يوجد في نقطة الدائرة مثلالقطب و لكن من نضرة عمودية
سنراه فوق القطب. فاذا رسمنا خطا افقيا من الختم الىالقطب يكتب لنا حرف
الالف. و هذا هو الف الحقيقة الاحمدية التي تتنزل بها الارادةالالهية الى
نون "كن فيكون" لمشيئة السريان الاسمائي في الحقيقةالمحمدية. او بمعنى
اخر فالختمية هي تجلي الحقيقة المحمدية في الختم و بها يصبحالختم هو مضهر
الانسان الكامل في زمانه قدس الله سره قدس الله سره قدس الله سره. وهذا
هو سبب كون القطب مفعول به في سريان اسم الذات "الله" كما قلت منقبل.
فالختم هو الوحيد الذي تتحقق فيه جميع اسرار الاسم "الله" وبقرائته السبع
كلها و يفنى في الذات فنائا كليا. و لما اقتضت حكمة الله ان تكونوضيفة
الانسان الكامل الذي هو بعين التحقيق سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم
اكمالالدين للبشرية {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}
و ان كان الدين قد اكتمل منذ 1400 عامفما هو سبب مضهر الانسان الكامل من
وقت الى حين في الختمية؟ الجواب نجده في نفسالاية الكريمة {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.
المخمصة في اللغة هي الجوع الشديد وخلاء البطن من الطعام. فما علاقة
الجوع باكمال الدين ليذكرا في اية واحدة؟ امالمعنى ان الدين سيبلى كما
تبلى الثياب فيجوع الناس الى الدين الكامل من جديد كماسرت الحكمة في الاكل
و الجوع الحسي. و لقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:{جددوا إيمانكم فإن الإيمان يبلى كما يبلى الثوب}
و الايمان كما هو معلوم من الدين. اذن الله سبحانه و تعالىاخبرنا ان
الدين اكتمل على يد الانسان الكامل سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم
واخبرنا في نفس الاية ان الدين سيبلى و سيضطر الناس في مخمصة و سيكون الله
غفوررحيم. و لكي يكون الله غفورا رحيما لابد من تجديد الدين لان الله لا
يأمر بالفحشاءو المنكر. و هذا التجديد للدين ليس الا غسل الاوساخ التي
لصقت به على ممر الزمان ومن اهواء البشر و العودة الى ذالك الثوب الابيض
الذي تركه لنا رسول الله, قالالحبيب صلى الله عليه و سلم:{
قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، من
يعشمنكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء
الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ، وعليكم بالطاعة وإن عبدا حبشيا،
فإنما المؤمن كالجمل الأنف حيثما قيد انقاد} وهذا
الحديث يوضح كل شيئ و لم يترك ولو رأس ابرة من الشك, و فيه ايضا
اشاراتجميلة الى مفهوم الختمية و الختوم الكرام الذين سماهم الحبيب صلى
الله عليه و سلمبالخلفاء الراشدين المهديين. الخلفاء اشارة الى الخلافة في
حقيقة الانسان الكامل والراشدون لكمال و تطابق سنتهم بسنته صلى الله عليه
و سلم و المهديين لقوة سيراناسم الله "الهادي" فيهم لهداية البشر الى
العودة للمحجة البيضاء. عضواعليها بالنواجد اي اعملوا بسنتهم فانها سنتي و
بتعليماتهم فان تعليماتي و اعملوابها بشدة. و ايضا جائنا الامر بالطاعة و
ان كان الختم عبدا حبشيا ولا يطيق المسلمفي حضرة الختم الى السمع و
الطاعة اتباعا لامر رسول الله صلى الله عليه و سلم وتصديقا للاية الكريمة:
{وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِاللَّـهِ ۚ
وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا
اللَّـهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّـهَ تَوَّابًا
رَّحِيمًا}.
اذن الان قد تبين لنا ان الدين كمل على يد
الانسان الكامل الذي هو سيدنا محمد صلىالله عليه و سلم و انه يبلى من حين
الى اخر فيقدر الله عملية تجديد على يد خليفةالانسان الكامل الذي هو
الختم فيجدد الدين من جديد و يرجع بالناس الى المحجةالبيضاء. فكيف نعرف
اذن ذبذبية هذا التكرار في البلا و التجديد للدين و كيف نعرفمتى بلي
الدين و متى تجدد و اهم شيئ كيف نعرف من جدد الدين؟ للجواب على
هذهالاسئلة علينا ان نرجع الي كلام الحبيب صلى الله عليه و سلم حيث قال: {يبعث الله على رأس كل مائة عام من يجدد لهذه الأمة أمر دينها}.
هذا الحديث يبين لنا ان مرحلةالبلا تدوم 100 عام ثم يبعث الله الختم
الذي يجدد الدين و مرحلة التجديد هيالمرحلة التي يحتاجها الختم للتجديد. و
هذه المرحلة ليست عمر الختم بل هي بالتحديد7 او 8 او 9 سنوات بنائا على
الحديث الذي يخص الامام المهدي, قال الحبيب صلى اللهعليه و سلم:{أبشركم
بالمهدي ؛ يبعث على اختلاف من الناس و زلازل فيملأ الأرض قسطاً و عدلاً ،
كما ملئت جوراً و ظلماً ، يرضى عنه سكن السماء وساكن الأرض ، يقسم المال
صحاحاً ، فقال له رجلاً : ما صحاحاً ؟ قال : بالسوية بين الناس ) قال : (
و يملأالله قلوب أمة محمد صلى الله عليه وسلم عدله ، حتى يأمر منادياً
فينادي فيقول : من له في مال حاجة ؟ فما يقوم من الناس إلا رجل فيقول :
ائت السدّان – يعني الخازن –فقل له : إن المهدي يأمرك أن تعطيني مالاً ،
فيقول له : احث ، حتى إذا حجزه وأبرزه ؛ ندم فيقول : كنت أجشع أمة محمد
نفساً أو عجز عني ما وسعهم ؟! قال : فيرده فلا يقبل منه ، فيقال له : إنا
لا نأخذ شيئاً أعطيناه ، فيكون كذلك سبع سنين أوثمان سنين أو تسع سنين ،
ثم لا خير في العيش بعده}. و هذه ال7 او ال8 او ال9 سنوات يكون بعد
بلوغ الختم الاربعين سنة من عمره كما ارسل الى رسول الله صلى الله عليه
وسلم بعد الاربعين من عمره الشريف: {حَتَّىٰ
إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ
أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ
وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُوَأَصْلِحْ لِي
فِي ذُرِّيَّتِي ۖ إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ}.
فالختم قدس الله سره هو نسخة كاملة لسيدنا محمد صلى الله عليه و سلم, في
خلقه و في اخلاقه و حتى في سيرته يكون انطباق كبير. و ماعاش الختم من
بعد مرحلة التجديد فهو للبركة و الثبات حتى اذا مات بدأ الانحدار في
مرحلة البلا من جديد و كان لا خير في العيش بعده
فالختمية
تعرف اذن على هذا البيان مرحلتين: مرحلة خفاء و تكون طويلة و مرحلة ضهور
و تكون قصيرة, فالضهور يكون مرة قي المائة سنة فقط. قال تعالى في القران
الحكيم: {وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى
النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ
وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي
سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ۚ يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ
أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً
لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}. هذه الاية وان كانت في باطنها تدل على
شيئ فانها تدل على دائرة الولاية بالمفهوم الذي كتبنا هنا و تدل على ان
التجديد للدين لا يكون الا على يد الختم قدس الله سره و تدل على مراحيل
الضهور و الخفاء. وفي حالة الضهور تكون الختمية متجلية في انسان ولي من
اولياء الله. اما في مرحلة الخفاء فتكون الختمية مرفوعة و تبقى ادارة
الدائرة للقطب الذي يسيرها ببقية العسل الذي ترك الختم. وَأَوْحَىٰ
رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ
الشَّجَرِ تعني الضروف التي تكون فيها دائرة اللولاية {النحل} في مرحلة
الخفاء التي تكون فيها الختمية مرفوعة كما رفعت الجبال و الاشجار. و لكون
النحل اي الدائرة مرفوعة في الجبال و الاشجار فلا ينتفع بعسلها الناس.
وَمِمَّا يَعْرِشُونَ تعني الخلايا النحلية التي يصنع الانسان لاستثمار
العسل و بهذه الخلايا انزلت النحل اي الدائرة الى نفع الانسان بالعسل.
عندها يضهر الختم الذي هو برمز ملكة النحل و يبدأ التجديد بصنعاة العسل و
ملئ الخوازين العسلية التي اصبحت فارغة و بسببها اصبح الناس على جوع
شديد. فينضم اولا ادارة الدائرة من جديد و يسقي الاولياء من عسله الخاص
لتنشط اجسادهم و تسكر ارواحهم و يقول لهم ثم كُلِي مِن كُلِّ
الثَّمَرَاتِ اي كولي من ثمرات الختيمة التي ترفع لك الهمة و تطوي لك
الطريق فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا اي فاسلك على يدي و على طريقتي
طريق الله التي اصبحت ببركتي و هيبتي مذللة و سهلة لك. فعندما يتم
التجديد الاداري الداخلي و تكون النحل قد توفرت على ما يكفيها من العسل
تبدأ مرحلة التجديد الخارجي يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ
أَلْوَانُهُ بعدما كان الناس قد اعتادوا على لون او لونين تضهر الحكم
الباطنية من جديد على يد الختم و يضهر للناس جميع الالوان الذوقية التي
يتجلى بها الحق سبحانه و تعالى و عددها 12 لونا اصليا و بالمزيج الى ما
لا نهاية. و هذه الحكم الالهية المختلف الوانها و اذواقها فِيهِ شِفَاءٌ
لِّلنَّاسِ من تلك المخمصة اي الجوع الشديد التي قدرت عليهم و بها تكون
الهداية و الرجوع الى المحجة البيضاء و بها يجدد الدين, كما هو الامر في
العسل الحسي للجوع الحسي. إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ
يَتَفَكَّرُونَ و سبحان الله فلقد اثبت العلم الحديث ان النحل يستحيل
عليه صنع العسل بدون ملكة و يتفرق و يتشتت و يموت جوعا و هذا يدل على ان
الوحي المعني للنحل يكون بوسيلة الملكة التي تكون نقطة تنزل الاحكام
الالهية و بها يهتدي النحل و بعدمها يضل و ينعدم. و هكذا امر الدائرة مع
الختم فبدونه تتعطل و به تنشط. فتكون الدائرة بمثابة الجسم و الختم
بمثابة الروح او القلب.
الحمد لله الذي وفقني الى هنا و تبين لنا
الان مفهوم الختمية و دورها في دائرة الولاية التي هي سريان الاسماء
الحسنى في الذات و كيف يجدد الله دين الانسان الكامل للامة كل 100 سنة
على يد نسخة الانسان الكامل الذي هو الختم. و لما عرفنا الان من عضيم و
علو مقام الختم فنرجو من الله ان ينفعنا ببركته و يهدينا اليه و يجعلنا
من السالكين على يده و بطريقته المذللة السهلة و ان يخرج الله من باطننا
الشراب الكثير المختلف الالوان و الاذواق لينفع به الناس. كما نحمده
سبحانه و تعالى ان قدر اعمارنا في عهد ختم من الختوم الكرام و نحن على
صحة جيدة و في خريف عمرنا. اللهم لك الحمد و لك الشكر كما ينبغي لعضيم
ذاتك بعدد ضهور ذاتك. و البعض من القراء سيتسائل الان كيف عرفت اننا على
عهد جديد من الختمية. بفضل من الله و منه علي فالجواب على هذا السؤال
اسهل شيئ عندي في هذه الرسالة. وهذا من وجهين: الوجه الاول ان الله من
علي و جعلني من سلالة سيدي محمد بن قدور الكركري الذي كان ختم زمانه قدس الله سره. و سيدي محمد بن قدور
ولد في نهاية القرن ال18 و مات في الثلث الاخير من القرن ال19. و بعد
مائة عام بعث الله الامام الجليل المشهور في جميع اقطار الارض بتلقين
الاسم الاعضم ختم زمانه سيدي احمد العلوي قدس الله سره. و سيدي احمد العلوي توفى في سنة 1934 ملادية. ولما كان سيدي احمد العلوي
قدس الله سره هو ختم المرحلة الماضية فنحن نشرف الان على فوات المائة سنة
و بها على مرحلة الختم الجديد. و لهذا نعلم ان الامر بالضهور سيكون
قريبا ان شاء الله و سيكون فيه الخير الكثير لسائر الامة مع كون هذا
الختم قدس الله سره في وقت الاتصال و المواصلات. هذا من جهة انتسابي
لسيدي محمد بن قدور قدس الله سره و اهتمامي الموروث بالتصوف و من جهة
حواديث تاريخية. و من جهة اخرى و لكثرة العناية الالهية التي تحيط بي مع
العلم اني لا استحق هذه العناية لكثرة المعاصي و الغفلة فلقد وهبني الله
عزوجل صحبة سيدي محمد فوزي الكركري قدس الله سره الذي سلكت على يده
الطاهرة. و لما رأينا عليه من امور التجديد في التصوف و علو الهمة و قوة
الهيبة و تجل الحق فيه بكمال الجمال علمنا ان سيدي محمد فوزي الكركري
شيخي و قدوتي و سبب وجودي قدس الله سره هو المجدد الجديد لدين الاسلام و
هو مضهر الانسان الكامل الذي تحقق بمقام الختمية في هذه المرحلة. و سيدي محمد فوزي الكركري
اكد لي و لكثير من الفقراء في مناسبات مختلفة انه قد نال مقام الختمية و
انها الا سنوات قلال و ستبدأ مرحلة التجديد الخارجية. اما مرحلة تجديد
الادارة الداخلية فهو قدس الله سره منذ سنة 2007 قائم عليها في زاويته
العامرة بالعروي و منذها تخرج على يده ما يزيد على ال50 سالك و عارف
بالله. ومنهم الكثير من حصل على اسرار مختلفة و من هو مؤهل لتربية الناس.
وفي النهاية احمد الله و اشكره كثيرا على هذه النعمة العضيمة التي جعلنا الله بها من اهل زمان الختم شيخ الشيوخ سيدي محمد فوزي الكركري
قدس الله سره و ارجوا من الله ان ينفع به الانس و الجان و الدواب و
الانعام. و ان يطيل عمره على طاعته و رضاه و ان يشربنا من العسل ما فيه
شفاء لاجسامنا و ارواحنا و عقولنا و قلوبنا. و ارجو من الله ان يقبل مني
هذا الاجتهاد الشخصي لمفهوم الختمية. ان اصبت فمن الله و عنايته و ان
اخطأت فمن نفسي و قلة علمي و كثرة جهلي
استغفر الله لي و لكم و السلام عليكم و رحمة الله
في اللغة
هو: الشرب
في اصطلاح الطريقة الكركرية
هو
سَرَيَانٌ نوراني ممتد من قلب الشيخ إلى قلب المريد يَشُدُّهُ به إلى حضرة
من حضرات المعنى ، فهو الحبل الممسك لدلو روحانية المريد حتى يُسْقَى من
زلال بئر الشيخ
و هو النسيم الآتي
من جهة اليمن الحامل لنفس الرحمن، وهو تَنَزُّلُ ماء الحياة من مُزْنِ
السماوات الروحية للشيخ على الأراضي الجسمية للمريد
و
الورد وِدٌّ ، والوِدُّ طبقة من طبقات القلب السبعين ألف بعدد الحجب التي
بين الحق والخلق ، عن سهل بن سعد ، قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
: " إن الله عز وجل دون سبعين ألف حجاب من نور وظلمة ، وما يسمع من نفس
شيئا من حس تلك الحجب إلا زهقت.المعجم الكبير للطبراني بَابُ السِّينِ مَنِ اسْمُهُ سَهْل. سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ رقم الحديث: 5666
عن
أنس بن مالك ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " سألت جبريل عليه
السلام هل ترى ربك ؟ قال: إن بيني وبينه سبعين حجابا من نورلو رأيت أدناها
لاحترقت .المعجم الأوسط للطبراني بَابُ الْمِيمِ مَنِ اسْمُهُ : مُحَمَّدٌ رقم الحديث: 6581
وعن
أبي هريرة ، أن رجلا من اليهود أتى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا
أبا القاسم ، هل احتجب الله عز وجل عن خلقه بشيء غير السموات والأرض ؟ قال
: " نعم ، بينه وبين الملائكة الذين حول العرش سبعون حجابا من نار ،
وسبعون حجابا من نور ، وسبعون حجابا من ظلمة ، وسبعون حجابا من در رفارف
الإستبرق ، وسبعون حجابا من رفارف السندس ، وسبعون حجابا من در أبيض ،
وسبعون حجابا من در أحمر ، وسبعون حجابا من در أصفر ، وسبعون حجابا من در
أخضر وسبعون حجابا من ضياء استضاءها من النار والنور ، وسبعون حجابا من ثلج
، وسبعون حجابا من ماء ، وسبعون حجابا من غمام ، وسبعون حجابا من برد ،
وسبعون حجابا من عظمة الله التي لا توصف " ، قال : فأخبرني عن ملك الله
الذي يليه فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أصدقت فيما أخبرتك يا يهودي ؟
" ، قال : نعم ، قال : " فإن الملك الذي يليه إسرافيل، ثم جبريل ، ثم
ميكائيل ، ثم ملك الموت صلى الله عليهم أجمعين .المعجم الأوسط للطبراني بَابُ الْمِيمِ مَنِ اسْمُهُ مِقْدَامٌ رقم الحديث: 9178
إن
الورد هو أول أبواب الفتح للمريد ، لأنه الأصل و المرجع، لذلك وجب
الإعتناء به والمحافظة عليه، في الوقت فلا يؤخر إلا لعذر قاهر ووقته من بعد
صلاة الصبح ومن بعد صلاة المغرب
و
يكون الذكر بالحضور فهو حبل الصلة فمن قطعه فلا صلة له وقيل في المعنى "من
لا ورد له لا وارد له"، فلا يُذْكَر الورد في أماكن الهرج و كثرة الحس
والمفاتن، وإنما في غرفة خالية مع تغميض العينين و استحضار عظمة الحق
أما عن حكمه فحُكْمُهُ الوجوب في طريقتنا ، يصاحب المريد إلى آخر نَفَسٍ في الحياة له عد ثابت وله صيغة ثابثة فلا زيادة ولا نقصان
و في الحكم
الوارد
يوجد في الدار الآخرة، والورد ينطوي بانطواء هذه الدار وأولى ما يعتنى به
ما لا يخلف وجوده، الورد هو طالبه منك، والوارد أنت تطلبه منه، وأين ما هو
طالبه منك مما هو مطلبك منه
فالمريد
الصادق هو الذي ينسلخ من إرادة نفسه ويفنى في إرادة شيخه و الورد أول مقام
لذلك ، فيصبر على ما يرتبه له ، ولا يطلب المزيد فقد يكون هلاكه في
الزيادة وإذا كان لا بد من الطلب فليطلب الرضى فكل دعوة راجعة إليه
وقد
كانت فتنة بني إسرائيل في طلب الزيادة فلم يصبروا على طعام واحد فاستبدلوا
الذي هو أدنى بالذي هو خير من حيث لم يعلموا فنزلوا إلى مصر النفس وضربت
عليهم ذلة الحرمان ومسكنة الغفلة
فأقم
رحمك الله حيث أقامك مولاك، ورحم الله امرؤا عرف قدره ثم وقف دونه قال
تعالى :وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ
بَعْضٍ ، كن عبد الله لا عبد الوارد والمشاهدة، لا تقل لا لي و لا علي،
فطلبك اتهام و نقص أدب
هَمُّ
العارف الصدق في العبودية والقيام بحقوق الربوبية فكن عبدا خالصا لله لا
شائبة فيك قال تعالى :ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ
مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا
الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
الورد أدب العبد و الوارد مِنْحَةُ الرب والورد هو طالبه والوارد أنت راغبه فأين طلبك من طلبه
لازم أدب العبودية بتمام الخدمة فتمام الخدمة من شكر النعمة
"الجنيد
رضي الله عنه لم يترك أوراده في حال نزاعه فقيل له في ذلك فقال ومن أولى
مني بذلك وهذه صحائفي تطوى فلم يترك الخدمة رضي الله عنه في مثل هذه الحالة
فكيف بسواها
قيل له أن جماعة
يزعمون أنهم يصلون إلى حالة يسقط عنهم التكليف قال وصلوا ولكن إلى صقر وقال
في كلام آخر هذا كلام من يقول بالإباحة والسرقة و الزنا عندنا أهون حالاً
ممن يقول بهذه المقالة ولقد صدق رضي الله عنه في قوله هذا فإن الزاني
والسارق عاص بزناه وسرقته ولا يصل إلى حد الكفر وأما القائل بسقوط الفرائض
المعتقد لذلك فقد انسل من الدين كانسلال الشعرة من العجين فعض على هذا
الأصل بالنواجذ يا أخي ولا تسمع كلام من أخذ الحقائق من الكتب وصار يتكلم
بالزندقة والإلحاد و إسقاط الأعمال على حسب فهمه وهواه قال صلى الله عليه
وسلم "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به" وقال تعالى (قل إن
كنتم تحبون الله فأتبعوني يحببكم الله) فعليك بمتابعته صلى الله عليه وسلم
ومتابعة السلف الصالح في الأقوال والأفعال والأحوال تحز مقامهم وتكن معهم
فالمرء مع من أحب
ولا تستحقر
الورد من حيث العدد فالمدد لا علاقة له بالعدد وإنما بالقلب الصافي من
الأغيار المُطهر من الأكدار، فتسبيحة واحدة بالحضور والتعظيم خير من الآلاف
المؤلفة بالغفلة والشهوة
وفي الحكم "وُرودُ الإمْدادِ بِحَسَبِ الاسْتِعْدادِ وَشُروقُ الأنْوارِ عَلى حَسَبِ صَفاءِ الأسْرارِ
"قال
شيخ شيخنا مولاي العربي رضي الله عنه في بعض رسائله فإن قلتم أي وقت نكون
(كالجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب) قلنا إذا زهدتم في الدنيا
بالكلية وقطعتم الإياس من الرجوع إليها بالكلية ثم اعتقدتم في شيوخكم أنهم
كُمَّل وأنهم على قدم الأنبياء عليهم السلام من ورثة النبي صلى الله عليه
وسلم فو الله العظيم لينزل عليكم المدد الليل والنهار والشهر والعام وفي كل
وقت وساعة ولحظة حتى تمتلئ قلوبكم بمعرفة الله وتطمئن قلوبكم بذكر الله
وتكونوا كالجبال الراسية هذا معنى كلامه باختصار رضي الله عنه .إيقاظ الهمم في شرح الحكم ابن عجيبة ص222
أوراد الطريقة المحمدية الفوزوية الكركرية
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
بسم الله الرحمٰن الرحيم الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ مَـلِكِ يَوْمِ الدِّينِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ.
بسم الله الرحمان الرحيم.
وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا واستغفروا الله إن الله غفور رحيم.
أستغفر الله العظيم إن الله غفور رحيم _3مرات.
أستغفر الله 99 مرة وتمام المائة أستغفر الله إن الله غفور رحيم...
أستغفر الله العظيم إن الله غفور رحيم _3مرات.
أستغفر الله 99 مرة وتمام المائة أستغفر الله إن الله غفور رحيم...
بسم الله الرحمان الرحيم.
إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما..
اللهم صل على سيدنا محمد عبدك ورسولك النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم _99 مرة، وتمام المائة: اللهم صل على سيدنا محمد عبدك ورسولك النبي الأمي وعلى آله وسلم تسليما، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
اللهم صل على سيدنا محمد عبدك ورسولك النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم _99 مرة، وتمام المائة: اللهم صل على سيدنا محمد عبدك ورسولك النبي الأمي وعلى آله وسلم تسليما، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
بسم الله الرحمان الرحيم.
شهد الله أنه لا إلـه إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إلــه إلا هو العزيز الحكيم. إن الدين عند الله الاسلام
لا إ ا لــه إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير 99 مرة، وتمام المائة: لا إلـــه إلا الله وحده لا شريك له له لملك وله الحمد وهو على كل شيء شهيد..
بسم الله الرحمان الرحيم.
السبحة
في اللغة
سَبَّحَ الله وله : قدَّسَهُ ، نزَّههُ ، قال : سبحان الله
السبحة أو المسبحة: خرزات منظومة في سلك للصلاة و التسبيح
في اصطلاح الطريقة الكركرية
هوية اسم الذات ، وسر جمع الأسماء ومظهر سريان الحق ، وإشارة تنزيه المعبود عن نقائص الحدث الإمكاني و علل تشبيه العقل الإنساني
في القرآن الكريم
وردت هذه اللفظة في القرآن الكريم (97) مرة بمشتقاتها المختلفة ، منها قوله تعالى
قال تعالى : وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً
قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ
وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا
لا تَعْلَمُونَ
قال تعالى : قَالَ
رَبِّ اجْعَل لِّيَ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ
ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ
بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ
قال تعالى : وَلَمَّا
جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي
أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ
فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ
لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ
قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ
قال تعالى : دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
قال تعالى : وَيُسَبِّحُ
الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ
الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللّهِ
وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ
قال تعالى : سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
قال تعالى : تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إلٍّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً
قال تعالى :
قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي
وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي
وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ
أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا
قال تعالى : فَاصْبِرْ
عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ
الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آَنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ
وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى
قال تعالى : فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ
قال تعالى : وَذَا
النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ
فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ
إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
قال تعالى : فَلَمَّا جَاءهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
قال تعالى : إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَال مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاق
قال تعالى : وَتَرَى
الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ
رَبِّهِمْ ۖ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ
رَبِّ الْعَالَمِينَ
قال تعالى : قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ
قال تعالى : وَمِنَ الَّيلِ فَاسجُد لَهُ وَسَبِّحهُ لَيلًا طَويلًا
السبحة في الحديث الشريف
كتاب الإمام السيوطي "المنحة في السبحة"وهو
رسالة من الرسائل المجموعة في الحاوي للفتاوي و قد جُمع فيه ما تفرق في
كتب أهل الحديث من شواهد على تسبيح الصحابة بالنوى والحصى رضي الله عنهم
أجمعين ، ونورد هنا بعض ما أورده في كتابه رضي الله عنه وأرضاه ولمن أراد
المزيد فليرجع إلى الكتاب
أخرج الترمذي والحاكم والطبراني عن صفية قالت دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين يدي أربعة آلاف نواة أسبح بهن فقال ما هذا يا بنت حيي قلت أسبح بهن، قال قد سبحت منذ قمت على رأسك أكثر من هذا، قلت علمني يا رسول الله قال قولي سبحان الله عدد ما خلق من شيء
وفي جزء هلال الحفار ومعجم الصحابة للبغوي وتاريخ ابن عساكر من طريق معتمر بن سلميان عن أبي بن كعب عن جده بقية عن أبي صفية مولى النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يوضع له نطع ويجاء بزنبيل فيه حصى فيسبح به إلى نصف النهار، ثم يرفع فإذا صلى الأولى أتى به فيسبح به حتى يمسي
وأخرج ابن سعد عن حكيم بن الديلمي أن سعد بن أبي وقاص كان يسبح بالحصى
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن مولاة لسعد أن سعدا كان يسبح بالحصى أو النوى
وقد اتخذ السبحة سادات يشار إليهم ويؤخذ عنهم ويعتمد عليهم كأبي هريرة رضي الله كان له خيط فيه ألفا عقدة، فكان لا ينام حتى يسبح به اثنتي عشر ألف تسبيحه
وفي سنن أبي داود من حديث أبي بصرة الغفاري قال حدثني شيخ من طفاوة قال تَثَوَّيْت أبا هريرة بالمدينة، فلم أر رجلا أشد تشميرا ولا أقوم على ضيف منه، قال فبينما أنا عنده يوما وهو على سرير له ومعه كيس فيه حصى أو نوى وأسفل منه جارية سوداء، وهو يسبح بها حتى إذا أنفد ما في الكيس ألقاه إليها فأعادته في الكيس فدفعته إليه يسبح، قوله تثويت أي تضيفته ونزلت في منزله والمثوى المنزل
وقيل كان أبو هريرة رضي الله عنه يسبح بالنوى المجزع يعني الذي حك بعضه حتى أبيض شيء منه وترك الباقي على لونه، وكل ما فيه سواد وبياض فهو مجزع قاله أهل اللغة
وذكر الحافظ عبد الغني في الكمال في ترجمة أبي الدرداء عويمر رضي الله عنه أنه كان يسبح في اليوم مائة ألف تسبيحه
وذكر أيضا عن سلمة بن سبيب قال كان خالد بن معدان يسبح في اليوم أربعين ألف تسبيحه سوى ما يقرأ فلما وضع ليغسل جعل بأصبعه كذا يحركها يعني بالتسبيح
ومن المعلوم المحقق أن المائة ألف بل والأربعين ألفا وأقل من ذلك لا يحصر بالأنامل فقد صح بذلك وثبت أنهما كانا يعدان بآلة والله أعلم
وكان لأبي مسلم الخولاني رحمه الله سبحة فقام ليلة والسبحة في يده قال فاستدارت السبحة فالتفت على ذراعه، وجعلت تسبح فالتفت أبو مسلم والسبحة تدور في ذراعه وهي تقول سبحانك يا منبت النبات ويا دائم الثبات قال هلمي يا أم مسلم فانظري إلى أعجب الأعاجيب، قال فجاءت أم مسلم والسبحة تدور وتسبح فلما جلست سكتت، ذكره أبو القاسم هبة الله بن الحسن الطبري في كتاب كرامات الأولياء
حديث مسلسل في حمل السبحة
ذكره القاضي أبو العباس أحمد بن خلكان في وفيات الأعيان أنه رأى في يد أبي القاسم الجنيد بن محمد قدس الله سره يوماً سبحة فقيل له : أنت مع شرفك تأخذ بيدك سبحة؟
قال: طريقٌ وصلت به إلى ربي لا أفارقه
ولقد رويت( أي السيوطي) في ذلك حديثا مسلسلاً وهو ما أخبرني به شيخنا الإمام أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن عبد الله من لفظه ورأيت في يده سبحة
قال : أخبرني الإمام أبو العباس أحمد بن أبي المجالس يوسف البانياسي بقراءتي عليه ورأيت في يده سبحة
قال : أخبرنا أبو المظفر يوسف بن محمد بن مسعود الترمذي ورأيت في يده سبحة
قال: أخبرني عبد الصمد بن أحمد بن عبد القادر ورأيت في يده سبحة
قال: أخبرنا أبو محمد يوسف بن أبي الفرج عبد الرحمن بن علي ورأيت في يده سبحة
قال : أخبرنا أبي ورأيت في يده سبحة
قال : قرأت على أبي الفضل بن ناصر ورأيت في يده سبحة
قال : قرأت على أبي محمد عبد الله بن أحمد السمرقندي ورأيت في يده سبحة
قلت: وسمعت أبا بكر محمد بن علي السلمي الحداد ورأيت في يده سبحة
فقال : نعم
قال: رأيت أبا نصر عبد الوهاب بن عبد الله بن عمر المقري ورأيت في يده سبحة
قال: رأيت أبا الحسن علي بن الحسن بن أبي القاسم المترفق الصوفي وفي يده سبحة
قال: سمعت أبا الحسن المالكي يقول: وقد رأيت في يده سبحة
قلت له : يا أستاذي أنت إلى الآن مع السبحة ؟
فقال : كذلك رأيت أستاذي الجنيد قدس الله سره وفي يده سبحة
فقلت : يا أستاذي أنت إلى الآن مع السبحة
فقال كذلك رأيت أستاذي السري بن مغلس السقطي قدس الله سره وفي يده سبحة
فقلت له : يا أستاذي إلى الآن مع السبحة
فقال : كذلك رأيت أستاذي معروف الكرخي وبيده سبحة فسألته عما سألتني عنه
فقال : كذلك رأيت بشر الحافي وفي يده سبحة
فسألته عما سألتني عنه فقال:كذلك رأيت أستاذي عمر المالكي وفي يده سبحة فسألته عما سألتني عنه
فقال: كذلك رأيت أستاذي الحسن البصري قدس الله سره وفي يده سبحة
فقلت : يا أستاذي مع عظم شأنك وحسن عبادتك وأنت إلى الآن مع السبحة
فقال لي: هذا شيء كنا استعملناه في البدايات ما كنا نتركه في النهايات، أحب أن أذكر الله تعالى بقلبي وفي يدي وفي لساني
فلو كان في اتخاذ السبحة مخالفة لسنة الحبيب عليه الصلاة والسلام لما اتخذها سيدنا الحسن البصري و بشر الحافي و معروف الكرخي و سري السقطي و الجنيد قدس الله أسرارهم ورضي الله عنهم ، فلقد كانوا رضوان الله عنهم أحرس الناس على متابعة السنة الشريفة، فما كانوا ليخالفوا سنة رسولنا صلوات ربي و سلامه عليه فلماذا يجعل البعض محاربة السبحة هم حياته و نقطة غايته وقد وصلنا إلى زمن فترت فيه الهمم عن ذكر الله والشوق للقائه، فهل من الحكمة أن نزيد الناس بعدا عن الله أم أن نسير بهم في الطريق شيئا فشيئا، التدرج والوسائط حكمة إلهية وسنة كونية، و الإختلاف في الفروع رحمة وتوسعة على الأمة ومسألة الحكم على السبحة لا تعدو أن تكون اجتهادا فلا نص صريح واضح يشفي الغليل، أما المحبة بين المسلمين والتواد و التعاون فواجب فلا نترك رحمكم الله الأصل لأجل الفرع
تأصيل اتخاذ السبحة
القاعدة الفقهية المعروفة: الأصل في الأشياء الاباحه حتى يرد النهي والتحريم
ومن يكن ذا قلب سليم وعقل لبيب يرى أن السنة الشريفة لم تنه عن اتخاذ السبحة ، بل قد شجعت على الذكر وكثرته، فعن عبد الله بن بسر، أن أعرابيا ، قال : لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، إن شرائع الإسلام قد كثرت علي فأنبئني منها بشيء أتشبث به ، قال : " لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله عز وجل
عن أبي هريرة ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يسير في طريق مكة فمر على جبل يقال له جمدان ، فقال: " سيروا هذا جمدان سبق المفردون " قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيرا والذاكرات
"ويشهد لهذا المعنى أن الله تعالى وصف المنافقين بأنهم لا يذكرون الله إلا قليلا ، فمن أكثر ذكر الله ، فقد باينهم في أوصافهم ، ولهذا ختمت سورة المنافقين بالأمر بذكر الله ، وأن لا يلهي المؤمن عن ذلك مال ولا ولد وأن من ألهاه ذلك عن ذكر الله ، فهو من الخاسرين، قال الربيع بن أنس ، عن بعض أصحابه علامة حب الله كثرة ذكره ، فإنك لن تحب شيئا إلا أكثرت ذكره
وقال فتح الموصلي : المحب لله لا يغفل عن ذكر الله طرفة عين ، قال ذو النون : من اشتغل قلبه ولسانه بالذكر ، قذف الله في قلبه نور الاشتياق إليه
قال إبراهيم -بن الجنيد : كان يقال : من علامة المحب لله دوام الذكر بالقلب واللسان ، وقلما ولع المرء بذكر الله عز وجل إلا أفاد منه حب الله
وكان بعض السلف يقول في مناجاته : إذا سئم البطالون من بطالتهم ، فلن يسأم محبوك من مناجاتك وذكرك
قال أبو جعفر المحولي : ولي الله المحب لله لا يخلو قلبه من ذكر ربه ، ولا يسأم من خدمته . وقد ذكرنا قول عائشة : كان النبي صلى الله عليه و سلم يذكر الله على كل أحيانه ، والمعنى : في حال قيامه ومشيه وقعوده واضطجاعه ، وسواء كان على طهارة أو على حدث . وقال مسعر : كانت دواب البحر في البحر تسكن ، ويوسف عليه السلام في السجن لا يسكن عن ذكر الله عز وجل
وكان لأبي هريرة خيط فيه ألف عقدة ، فلا ينام حتى يسبح به
وكان خالد بن معدان يسبح كل يوم أربعين ألف تسبيحة سوى ما يقرأ من القرآن ، فلما مات وضع على سريره ليغسل ، فجعل يشير بأصبعه يحركها بالتسبيح ..... وقال عبد العزيز بن أبي رواد :كانت عندنا امرأة بمكة تسبح كل يوم اثني عشرة ألف تسبيحه ، فماتت فلما بلغت القبر ، اختلست من أيدي الرجال
وكان الحسن البصري كثيرا ما يقول إذا لم يحدث ، ولم يكن له شغل : سبحان الله العظيم ، فذكر ذلك لبعض فقهاء مكة ، فقال : إن صاحبكم لفقيه ، ما قالها أحد سبع مرات إلا بني له بيت في الجنة، وكان عامة كلام ابن سيرين : سبحان الله العظيم ، سبحان الله وبحمده
كان المغيرة بن حكيم الصنعاني إذا هدأت العيون ، نزل إلى البحر ، وقام في الماء يذكر الله مع دواب البحر
نام بعضهم عند إبراهيم بن أدهم قال : فكنت كلما استيقظت من الليل ، وجدته يذكر الله ، فأغتم ، ثم أعزي نفسي بهذه الآية : ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء
فالسنة المطهرة حثت على الذكر الكثير والقرآن الكريم حث ورغب في الذكر بل لم يقيده لا بشهر كالصيام ولا بأيام كالحج ولا بوقت كالصلاة وإنما جعله مطلقا شأن الذكر شأن المذكور حيث قال عز من قائل
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا * هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا
والذكر الكثير هو الذكر المتصل بغير انفصال وهو الذكر القلبي للعبد المستأنس بشهود أنوار الصفات المعتكف في حضرة الحق ، الهائم في أنوار القرب فلا يغفل عن روح الحبيب ولا عن استحضار السر، فعن أبي سعيد ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنه قال:" أكثروا ذكر الله ، حتى يقولوا مجنون
و الذكر بحق يكون من وقت طلوع فجر القلب إلى غروب شمس الروح، ومراتبه اللسان والقلب والروح والسر
والسبحة شرط من شروط الذكر عند القوم لما لها من فوائد جَمَّة وأسرار و معاني، و ذلك أنها تعين على العد، خصوصا لمن ألزم نفسه بأعداد كبيرة يتعذر عدها بالأنامل، كما أنها رمز لهاء الإسم الجامع، و هي مُذَكِّرَة للناظر بخالقه سبحانه وهي علامة التبري من الحول والقوة، إذ شكلها دائري كالصفر والصفر معناه الفناء وعدد حباتها بعدد أسماء الله الحسنى، إلى ما لها من أسرار أخرى، لا يسع المقام لبسط الكلام عنها
والحق ما خلق الإنسان إلا ليعرفه قال تعالى :وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
و لا تتحقق معرفة الحق إلا بكثرة ذكر الله ، وكثرة الذكر تستوجب السبحة للعد فإذن "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب
شبهات حول السبحة
ذكرها صاحب الموسوعة الكسنزانية قال
"اعترض البعض بحجج واهية على السبحة ، وفيما يلي خلاصتها والرد عليها
قالوا : إن الرسول صلى الله عليه و سلم كان يعقد التسبيح أي يعده على أصابعه لتشهد له فإنهن – أي الأصابع – مسؤولات مستنطقات واستدلوا بروايتين : إحداهما لأبى داود قال فيها : ( يعقد التسبيح بيمينه ) والثانية للترمذي قال فيها : " يعقد التسبيح بيده"
إن القول بأن الرسول صلى الله عليه و سلم عقد التسبيح بيده ، فالحق أنه وإن عقد التسبيح بيده لم ينكر على من سبحوا بالنواة أو الحصى أو غيرها ، علما بأن اليد التي تعقد التسبيح دون واسطة هي ذات اليد التي تعقد بواسطة السبحة ، ومن ثم فإن السبحة لا تمنع استنطاق الأنامل ومسؤوليتها ولا تحرمها من النور الذي يفاض عليها من جراء التسبيح
وإننا نرى مع السيوطي " أن المسبح إن أمن الغلط كان عقده بالأنامل أفضل وإلا فالسبحة أولى "
زعموا أن في اتخاذ السبحة شبهة الرياء والسمعة، وعلى هذا فإن تركها عندهم أفضل وأسلم للدين
إن شبهة الرياء والسمعة كما تقال عن السبحة تقال أيضاً عن كل عبادة، فهل نترك كل العبادات لاحتمال مظنة الرياء والسمعة فيها ؟
قالوا : إنها بدعة لم يتخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يتخذها الصحابة وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار
جاء عن رسول الله صلى الله عليه و سلم:" من سنة سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة "، ولهذا أفتى العلماء بخطأ التعميم في الحكم على كل المحدثات بأنها ضلالة، وقالوا
إن في البدع أو المحدثات ما هو واجب كوضع علم العربية وتعليمه
ومنها ما هو مندوب كإقامة المدارس
ومنها ما هو محرم كتلحين القرآن الكريم بما يخرج بألفاظه عن وضعه العربي
ومنها ما هو مباح كوضع الأطعمة على الموائد
وقد جاء في شرح المشكاة لابن حجر ما يأتي: " ويستفاد من الأمر بالعقد ندب اتخاذ السبحة وزعم أنها بدعة غير صحيح
قالوا: قد حكم أن مطلق العدد بدعة فما بالك بالعد بالسبحة؟
يكفي للرد على منكري العدد أن نرجعهم إلى الأحاديث والآثار التي نصت على أن بعض الصحابة كان له ورد معين كأن يكون إثني عشر ألف تسبيحه كورد أبي هريرة ، أو أربعين ألف تسبيحه كورد خالد بن سعدان ، أو مائة ألف تسبيحه كأبي الدرداء ، وسبق أن ذكرنا كذلك كان ورد بعض التابعين ثلاثين ألفا ، وكان ورد بعضهم في الركعات ثلاثمائة ركعة وورد آخرين ستمائة إلى ألف ركعة
تعليق السبحة في الأعناق
قال تعالى : جَعَلَ اللّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلاَئِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
قال الطبري في تفسيره لهذه الآية
"جعل الله هذه الأربعة قـياماً للناس، هو قوام أمرهم ، وهذه الأقوال وإن اختلفت من قائلها ألفـاظها، فإن معانـيها آيـلة إلـى ما قلنا فـي ذلك من أن القوام للشيء هو الذي به صلاحه، كالـملك الأعظم قوام رعيته ومن فـي سلطانه، لأنه مدبر أمرهم وحاجز ظالـمهم عن مظلومهم والدافع عنهم مكروه من بغاهم وعاداهم
وكذلك كانت الكعبة والشهر الـحرام والهدي والقلائد قوام أمر العرب الذي كان به صلاحهم فـي الـجاهلـية، وهي فـي الإسلام لأهله معالـم حجهم ومناسكهم و متوجههم لصلاتهم وقبلتهم التـي بـاستقبـالها يتـمّ فرضهم
حواجز أبقاها الله بـين الناس فـي الـجاهلـية فكان الرجل لو جرّ كلّ جريرة ثم لـجأ إلـى الـحرم لـم يُتناول ولـم يُقرب. وكان الرجل لو لقـي قاتل أبـيه فـي الشهر الـحرام لـم يعرض له ولـم يقربه. وكان الرجل إذا أراد البـيت تقلد قلادة من شعر فأحمته ومنعته من الناس، وكان إذا نفر تقلد قلادة من الإذخر أو من لـحاء السَّمُر، فمنعته من الناس حتـى يأتـي أهله حواجز أبقاها الله بـين الناس فـي الـجاهلـية
و المعنى أنه كان الرجل في الجاهلية إذا خرج من بيته يريد الحج تَقَلَّدَ من السَّمُر قلادة فلا يتعرض له أحد بسوء، وفي هذا جواز تمييز أهل الدين والعبادة بما يأمنون بها من أهل الشر، قصد نجاة النفس من المهالك سواء الحسية منها أو المعنوية
ثم إن السبحة في العنق أشبه ما يكون بالخاتم في اليد، فكما أن الخاتم له دلالة الحكم والملك فكذلك السبحة ولله المثل الأعلى لها دلالة القرب من الحق قال تعالى : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ
فخص الحق سبحانه قربه بحبل الوريد لأنه أهم عرق في جسم المملكة الإنسانية ولاتصاله اتصالا وثيقا بالقلب وهو متصل بالوتين إذا انقطع مات صاحبه ، وهو عرق داخل الجسم فكان بذلك قرب الحق أقرب إلينا من ذواتنا وقد جاء في الأثر "من عرف نفسه عرف ربه"فمن حيث عين الجمع فما في الوجود إلا هو ومن حيث عين الفرق فحكم قائم بفعل ، وفعل قائم بصفة ، وصفة قائمة بذات
وحبل الوريد موضعه العنق فوضع أهل الله هوية الإسم في أعناقهم لأن السبحة ما هي إلا هاء الإسم حتى تتحقق فيهم الآية حسا ومعنى
والعنق له شرف وكرامة يوم القيامة حيث جعله الحق علامة الإيمان والرفعة. قال معاوية سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: " المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة
وما الأذان إلا دعوة تامة وما ثَمَّةَ دعوة تَمَّتْ إلا لأهل الاسم و هم المشايخ الكمل قدس الله سرهم
كما أن تعليق السبحة في العنق هو من باب التعظيم لذكر الله من باب التقرب التوفيقي لا التوقيفي وذلك لصونها من الضياع و الإمتهان وكما جاز الأصل يجوز الفرع
إضافة إلى أنها آلة لجهاد النفس مثلها في ذلك كالسيف فكما أن السيف بعد الإنتهاء منه يعلق في العنق فقس على ذلك السبحة فهي آلة الجهاد الأكبر فهي آكد حيث أن العدو لا يغفل عنك أبدا
و قد يعلق في العنق الجِراب والمِخْلاة والقِرْبَة مما يستعان به في العادات و السبحة لها كل الأولوية على ما ذكر
أخرج الترمذي والحاكم والطبراني عن صفية قالت دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين يدي أربعة آلاف نواة أسبح بهن فقال ما هذا يا بنت حيي قلت أسبح بهن، قال قد سبحت منذ قمت على رأسك أكثر من هذا، قلت علمني يا رسول الله قال قولي سبحان الله عدد ما خلق من شيء
وفي جزء هلال الحفار ومعجم الصحابة للبغوي وتاريخ ابن عساكر من طريق معتمر بن سلميان عن أبي بن كعب عن جده بقية عن أبي صفية مولى النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يوضع له نطع ويجاء بزنبيل فيه حصى فيسبح به إلى نصف النهار، ثم يرفع فإذا صلى الأولى أتى به فيسبح به حتى يمسي
وأخرج ابن سعد عن حكيم بن الديلمي أن سعد بن أبي وقاص كان يسبح بالحصى
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن مولاة لسعد أن سعدا كان يسبح بالحصى أو النوى
وقد اتخذ السبحة سادات يشار إليهم ويؤخذ عنهم ويعتمد عليهم كأبي هريرة رضي الله كان له خيط فيه ألفا عقدة، فكان لا ينام حتى يسبح به اثنتي عشر ألف تسبيحه
وفي سنن أبي داود من حديث أبي بصرة الغفاري قال حدثني شيخ من طفاوة قال تَثَوَّيْت أبا هريرة بالمدينة، فلم أر رجلا أشد تشميرا ولا أقوم على ضيف منه، قال فبينما أنا عنده يوما وهو على سرير له ومعه كيس فيه حصى أو نوى وأسفل منه جارية سوداء، وهو يسبح بها حتى إذا أنفد ما في الكيس ألقاه إليها فأعادته في الكيس فدفعته إليه يسبح، قوله تثويت أي تضيفته ونزلت في منزله والمثوى المنزل
وقيل كان أبو هريرة رضي الله عنه يسبح بالنوى المجزع يعني الذي حك بعضه حتى أبيض شيء منه وترك الباقي على لونه، وكل ما فيه سواد وبياض فهو مجزع قاله أهل اللغة
وذكر الحافظ عبد الغني في الكمال في ترجمة أبي الدرداء عويمر رضي الله عنه أنه كان يسبح في اليوم مائة ألف تسبيحه
وذكر أيضا عن سلمة بن سبيب قال كان خالد بن معدان يسبح في اليوم أربعين ألف تسبيحه سوى ما يقرأ فلما وضع ليغسل جعل بأصبعه كذا يحركها يعني بالتسبيح
ومن المعلوم المحقق أن المائة ألف بل والأربعين ألفا وأقل من ذلك لا يحصر بالأنامل فقد صح بذلك وثبت أنهما كانا يعدان بآلة والله أعلم
وكان لأبي مسلم الخولاني رحمه الله سبحة فقام ليلة والسبحة في يده قال فاستدارت السبحة فالتفت على ذراعه، وجعلت تسبح فالتفت أبو مسلم والسبحة تدور في ذراعه وهي تقول سبحانك يا منبت النبات ويا دائم الثبات قال هلمي يا أم مسلم فانظري إلى أعجب الأعاجيب، قال فجاءت أم مسلم والسبحة تدور وتسبح فلما جلست سكتت، ذكره أبو القاسم هبة الله بن الحسن الطبري في كتاب كرامات الأولياء
حديث مسلسل في حمل السبحة
ذكره القاضي أبو العباس أحمد بن خلكان في وفيات الأعيان أنه رأى في يد أبي القاسم الجنيد بن محمد قدس الله سره يوماً سبحة فقيل له : أنت مع شرفك تأخذ بيدك سبحة؟
قال: طريقٌ وصلت به إلى ربي لا أفارقه
ولقد رويت( أي السيوطي) في ذلك حديثا مسلسلاً وهو ما أخبرني به شيخنا الإمام أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن عبد الله من لفظه ورأيت في يده سبحة
قال : أخبرني الإمام أبو العباس أحمد بن أبي المجالس يوسف البانياسي بقراءتي عليه ورأيت في يده سبحة
قال : أخبرنا أبو المظفر يوسف بن محمد بن مسعود الترمذي ورأيت في يده سبحة
قال: أخبرني عبد الصمد بن أحمد بن عبد القادر ورأيت في يده سبحة
قال: أخبرنا أبو محمد يوسف بن أبي الفرج عبد الرحمن بن علي ورأيت في يده سبحة
قال : أخبرنا أبي ورأيت في يده سبحة
قال : قرأت على أبي الفضل بن ناصر ورأيت في يده سبحة
قال : قرأت على أبي محمد عبد الله بن أحمد السمرقندي ورأيت في يده سبحة
قلت: وسمعت أبا بكر محمد بن علي السلمي الحداد ورأيت في يده سبحة
فقال : نعم
قال: رأيت أبا نصر عبد الوهاب بن عبد الله بن عمر المقري ورأيت في يده سبحة
قال: رأيت أبا الحسن علي بن الحسن بن أبي القاسم المترفق الصوفي وفي يده سبحة
قال: سمعت أبا الحسن المالكي يقول: وقد رأيت في يده سبحة
قلت له : يا أستاذي أنت إلى الآن مع السبحة ؟
فقال : كذلك رأيت أستاذي الجنيد قدس الله سره وفي يده سبحة
فقلت : يا أستاذي أنت إلى الآن مع السبحة
فقال كذلك رأيت أستاذي السري بن مغلس السقطي قدس الله سره وفي يده سبحة
فقلت له : يا أستاذي إلى الآن مع السبحة
فقال : كذلك رأيت أستاذي معروف الكرخي وبيده سبحة فسألته عما سألتني عنه
فقال : كذلك رأيت بشر الحافي وفي يده سبحة
فسألته عما سألتني عنه فقال:كذلك رأيت أستاذي عمر المالكي وفي يده سبحة فسألته عما سألتني عنه
فقال: كذلك رأيت أستاذي الحسن البصري قدس الله سره وفي يده سبحة
فقلت : يا أستاذي مع عظم شأنك وحسن عبادتك وأنت إلى الآن مع السبحة
فقال لي: هذا شيء كنا استعملناه في البدايات ما كنا نتركه في النهايات، أحب أن أذكر الله تعالى بقلبي وفي يدي وفي لساني
فلو كان في اتخاذ السبحة مخالفة لسنة الحبيب عليه الصلاة والسلام لما اتخذها سيدنا الحسن البصري و بشر الحافي و معروف الكرخي و سري السقطي و الجنيد قدس الله أسرارهم ورضي الله عنهم ، فلقد كانوا رضوان الله عنهم أحرس الناس على متابعة السنة الشريفة، فما كانوا ليخالفوا سنة رسولنا صلوات ربي و سلامه عليه فلماذا يجعل البعض محاربة السبحة هم حياته و نقطة غايته وقد وصلنا إلى زمن فترت فيه الهمم عن ذكر الله والشوق للقائه، فهل من الحكمة أن نزيد الناس بعدا عن الله أم أن نسير بهم في الطريق شيئا فشيئا، التدرج والوسائط حكمة إلهية وسنة كونية، و الإختلاف في الفروع رحمة وتوسعة على الأمة ومسألة الحكم على السبحة لا تعدو أن تكون اجتهادا فلا نص صريح واضح يشفي الغليل، أما المحبة بين المسلمين والتواد و التعاون فواجب فلا نترك رحمكم الله الأصل لأجل الفرع
تأصيل اتخاذ السبحة
القاعدة الفقهية المعروفة: الأصل في الأشياء الاباحه حتى يرد النهي والتحريم
ومن يكن ذا قلب سليم وعقل لبيب يرى أن السنة الشريفة لم تنه عن اتخاذ السبحة ، بل قد شجعت على الذكر وكثرته، فعن عبد الله بن بسر، أن أعرابيا ، قال : لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، إن شرائع الإسلام قد كثرت علي فأنبئني منها بشيء أتشبث به ، قال : " لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله عز وجل
عن أبي هريرة ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يسير في طريق مكة فمر على جبل يقال له جمدان ، فقال: " سيروا هذا جمدان سبق المفردون " قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيرا والذاكرات
"ويشهد لهذا المعنى أن الله تعالى وصف المنافقين بأنهم لا يذكرون الله إلا قليلا ، فمن أكثر ذكر الله ، فقد باينهم في أوصافهم ، ولهذا ختمت سورة المنافقين بالأمر بذكر الله ، وأن لا يلهي المؤمن عن ذلك مال ولا ولد وأن من ألهاه ذلك عن ذكر الله ، فهو من الخاسرين، قال الربيع بن أنس ، عن بعض أصحابه علامة حب الله كثرة ذكره ، فإنك لن تحب شيئا إلا أكثرت ذكره
وقال فتح الموصلي : المحب لله لا يغفل عن ذكر الله طرفة عين ، قال ذو النون : من اشتغل قلبه ولسانه بالذكر ، قذف الله في قلبه نور الاشتياق إليه
قال إبراهيم -بن الجنيد : كان يقال : من علامة المحب لله دوام الذكر بالقلب واللسان ، وقلما ولع المرء بذكر الله عز وجل إلا أفاد منه حب الله
وكان بعض السلف يقول في مناجاته : إذا سئم البطالون من بطالتهم ، فلن يسأم محبوك من مناجاتك وذكرك
قال أبو جعفر المحولي : ولي الله المحب لله لا يخلو قلبه من ذكر ربه ، ولا يسأم من خدمته . وقد ذكرنا قول عائشة : كان النبي صلى الله عليه و سلم يذكر الله على كل أحيانه ، والمعنى : في حال قيامه ومشيه وقعوده واضطجاعه ، وسواء كان على طهارة أو على حدث . وقال مسعر : كانت دواب البحر في البحر تسكن ، ويوسف عليه السلام في السجن لا يسكن عن ذكر الله عز وجل
وكان لأبي هريرة خيط فيه ألف عقدة ، فلا ينام حتى يسبح به
وكان خالد بن معدان يسبح كل يوم أربعين ألف تسبيحة سوى ما يقرأ من القرآن ، فلما مات وضع على سريره ليغسل ، فجعل يشير بأصبعه يحركها بالتسبيح ..... وقال عبد العزيز بن أبي رواد :كانت عندنا امرأة بمكة تسبح كل يوم اثني عشرة ألف تسبيحه ، فماتت فلما بلغت القبر ، اختلست من أيدي الرجال
وكان الحسن البصري كثيرا ما يقول إذا لم يحدث ، ولم يكن له شغل : سبحان الله العظيم ، فذكر ذلك لبعض فقهاء مكة ، فقال : إن صاحبكم لفقيه ، ما قالها أحد سبع مرات إلا بني له بيت في الجنة، وكان عامة كلام ابن سيرين : سبحان الله العظيم ، سبحان الله وبحمده
كان المغيرة بن حكيم الصنعاني إذا هدأت العيون ، نزل إلى البحر ، وقام في الماء يذكر الله مع دواب البحر
نام بعضهم عند إبراهيم بن أدهم قال : فكنت كلما استيقظت من الليل ، وجدته يذكر الله ، فأغتم ، ثم أعزي نفسي بهذه الآية : ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء
فالسنة المطهرة حثت على الذكر الكثير والقرآن الكريم حث ورغب في الذكر بل لم يقيده لا بشهر كالصيام ولا بأيام كالحج ولا بوقت كالصلاة وإنما جعله مطلقا شأن الذكر شأن المذكور حيث قال عز من قائل
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا * هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا
والذكر الكثير هو الذكر المتصل بغير انفصال وهو الذكر القلبي للعبد المستأنس بشهود أنوار الصفات المعتكف في حضرة الحق ، الهائم في أنوار القرب فلا يغفل عن روح الحبيب ولا عن استحضار السر، فعن أبي سعيد ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنه قال:" أكثروا ذكر الله ، حتى يقولوا مجنون
و الذكر بحق يكون من وقت طلوع فجر القلب إلى غروب شمس الروح، ومراتبه اللسان والقلب والروح والسر
والسبحة شرط من شروط الذكر عند القوم لما لها من فوائد جَمَّة وأسرار و معاني، و ذلك أنها تعين على العد، خصوصا لمن ألزم نفسه بأعداد كبيرة يتعذر عدها بالأنامل، كما أنها رمز لهاء الإسم الجامع، و هي مُذَكِّرَة للناظر بخالقه سبحانه وهي علامة التبري من الحول والقوة، إذ شكلها دائري كالصفر والصفر معناه الفناء وعدد حباتها بعدد أسماء الله الحسنى، إلى ما لها من أسرار أخرى، لا يسع المقام لبسط الكلام عنها
والحق ما خلق الإنسان إلا ليعرفه قال تعالى :وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
و لا تتحقق معرفة الحق إلا بكثرة ذكر الله ، وكثرة الذكر تستوجب السبحة للعد فإذن "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب
شبهات حول السبحة
ذكرها صاحب الموسوعة الكسنزانية قال
"اعترض البعض بحجج واهية على السبحة ، وفيما يلي خلاصتها والرد عليها
قالوا : إن الرسول صلى الله عليه و سلم كان يعقد التسبيح أي يعده على أصابعه لتشهد له فإنهن – أي الأصابع – مسؤولات مستنطقات واستدلوا بروايتين : إحداهما لأبى داود قال فيها : ( يعقد التسبيح بيمينه ) والثانية للترمذي قال فيها : " يعقد التسبيح بيده"
إن القول بأن الرسول صلى الله عليه و سلم عقد التسبيح بيده ، فالحق أنه وإن عقد التسبيح بيده لم ينكر على من سبحوا بالنواة أو الحصى أو غيرها ، علما بأن اليد التي تعقد التسبيح دون واسطة هي ذات اليد التي تعقد بواسطة السبحة ، ومن ثم فإن السبحة لا تمنع استنطاق الأنامل ومسؤوليتها ولا تحرمها من النور الذي يفاض عليها من جراء التسبيح
وإننا نرى مع السيوطي " أن المسبح إن أمن الغلط كان عقده بالأنامل أفضل وإلا فالسبحة أولى "
زعموا أن في اتخاذ السبحة شبهة الرياء والسمعة، وعلى هذا فإن تركها عندهم أفضل وأسلم للدين
إن شبهة الرياء والسمعة كما تقال عن السبحة تقال أيضاً عن كل عبادة، فهل نترك كل العبادات لاحتمال مظنة الرياء والسمعة فيها ؟
قالوا : إنها بدعة لم يتخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يتخذها الصحابة وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار
جاء عن رسول الله صلى الله عليه و سلم:" من سنة سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة "، ولهذا أفتى العلماء بخطأ التعميم في الحكم على كل المحدثات بأنها ضلالة، وقالوا
إن في البدع أو المحدثات ما هو واجب كوضع علم العربية وتعليمه
ومنها ما هو مندوب كإقامة المدارس
ومنها ما هو محرم كتلحين القرآن الكريم بما يخرج بألفاظه عن وضعه العربي
ومنها ما هو مباح كوضع الأطعمة على الموائد
وقد جاء في شرح المشكاة لابن حجر ما يأتي: " ويستفاد من الأمر بالعقد ندب اتخاذ السبحة وزعم أنها بدعة غير صحيح
قالوا: قد حكم أن مطلق العدد بدعة فما بالك بالعد بالسبحة؟
يكفي للرد على منكري العدد أن نرجعهم إلى الأحاديث والآثار التي نصت على أن بعض الصحابة كان له ورد معين كأن يكون إثني عشر ألف تسبيحه كورد أبي هريرة ، أو أربعين ألف تسبيحه كورد خالد بن سعدان ، أو مائة ألف تسبيحه كأبي الدرداء ، وسبق أن ذكرنا كذلك كان ورد بعض التابعين ثلاثين ألفا ، وكان ورد بعضهم في الركعات ثلاثمائة ركعة وورد آخرين ستمائة إلى ألف ركعة
تعليق السبحة في الأعناق
قال تعالى : جَعَلَ اللّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلاَئِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
قال الطبري في تفسيره لهذه الآية
"جعل الله هذه الأربعة قـياماً للناس، هو قوام أمرهم ، وهذه الأقوال وإن اختلفت من قائلها ألفـاظها، فإن معانـيها آيـلة إلـى ما قلنا فـي ذلك من أن القوام للشيء هو الذي به صلاحه، كالـملك الأعظم قوام رعيته ومن فـي سلطانه، لأنه مدبر أمرهم وحاجز ظالـمهم عن مظلومهم والدافع عنهم مكروه من بغاهم وعاداهم
وكذلك كانت الكعبة والشهر الـحرام والهدي والقلائد قوام أمر العرب الذي كان به صلاحهم فـي الـجاهلـية، وهي فـي الإسلام لأهله معالـم حجهم ومناسكهم و متوجههم لصلاتهم وقبلتهم التـي بـاستقبـالها يتـمّ فرضهم
حواجز أبقاها الله بـين الناس فـي الـجاهلـية فكان الرجل لو جرّ كلّ جريرة ثم لـجأ إلـى الـحرم لـم يُتناول ولـم يُقرب. وكان الرجل لو لقـي قاتل أبـيه فـي الشهر الـحرام لـم يعرض له ولـم يقربه. وكان الرجل إذا أراد البـيت تقلد قلادة من شعر فأحمته ومنعته من الناس، وكان إذا نفر تقلد قلادة من الإذخر أو من لـحاء السَّمُر، فمنعته من الناس حتـى يأتـي أهله حواجز أبقاها الله بـين الناس فـي الـجاهلـية
و المعنى أنه كان الرجل في الجاهلية إذا خرج من بيته يريد الحج تَقَلَّدَ من السَّمُر قلادة فلا يتعرض له أحد بسوء، وفي هذا جواز تمييز أهل الدين والعبادة بما يأمنون بها من أهل الشر، قصد نجاة النفس من المهالك سواء الحسية منها أو المعنوية
ثم إن السبحة في العنق أشبه ما يكون بالخاتم في اليد، فكما أن الخاتم له دلالة الحكم والملك فكذلك السبحة ولله المثل الأعلى لها دلالة القرب من الحق قال تعالى : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ
فخص الحق سبحانه قربه بحبل الوريد لأنه أهم عرق في جسم المملكة الإنسانية ولاتصاله اتصالا وثيقا بالقلب وهو متصل بالوتين إذا انقطع مات صاحبه ، وهو عرق داخل الجسم فكان بذلك قرب الحق أقرب إلينا من ذواتنا وقد جاء في الأثر "من عرف نفسه عرف ربه"فمن حيث عين الجمع فما في الوجود إلا هو ومن حيث عين الفرق فحكم قائم بفعل ، وفعل قائم بصفة ، وصفة قائمة بذات
وحبل الوريد موضعه العنق فوضع أهل الله هوية الإسم في أعناقهم لأن السبحة ما هي إلا هاء الإسم حتى تتحقق فيهم الآية حسا ومعنى
والعنق له شرف وكرامة يوم القيامة حيث جعله الحق علامة الإيمان والرفعة. قال معاوية سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: " المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة
وما الأذان إلا دعوة تامة وما ثَمَّةَ دعوة تَمَّتْ إلا لأهل الاسم و هم المشايخ الكمل قدس الله سرهم
كما أن تعليق السبحة في العنق هو من باب التعظيم لذكر الله من باب التقرب التوفيقي لا التوقيفي وذلك لصونها من الضياع و الإمتهان وكما جاز الأصل يجوز الفرع
إضافة إلى أنها آلة لجهاد النفس مثلها في ذلك كالسيف فكما أن السيف بعد الإنتهاء منه يعلق في العنق فقس على ذلك السبحة فهي آلة الجهاد الأكبر فهي آكد حيث أن العدو لا يغفل عنك أبدا
و قد يعلق في العنق الجِراب والمِخْلاة والقِرْبَة مما يستعان به في العادات و السبحة لها كل الأولوية على ما ذكر
المشاركات الشائعة
-
في اللغة هو: الشرب في اصطلاح الطريقة الكركرية هو سَرَيَانٌ نوراني ممتد من قلب الشيخ إلى قلب المريد يَشُدُّهُ به إلى حضرة من حضرات...
-
في اللغة رَقَعَ الثوب : أصلَحَهُ بالرقُعة المرقعات : جمع مرقعة ، وهي الثوب الملفق من رقاع كثيرة ملونة أو غير ملونة ، كانت من صوف...
-
اللهم افتح بصائرنا لمراقبتك و مشاهدتك بفضلك و جودك، و نور سرائرنا لتجليات أسمائك و صفاتك بحلمك و كرمك و افننا بوجودن المجازي في وجو...
-
السر في اللغة السر: المستور الخفي الذي يتعذر فهمه، ما يحاول المرء كتمانه من قول أو فعل السريرة: ما يكتمه الإنسان في الاصطلاح الطريقة ا...
-
الولي الصالح شيخ الطريقة المحمدية الفوزوية الكركرية مولانا محمد فوزي الكركري الإدريسي الحسني أخذها عن العارف بالله تعالى عمه سيد...
-
السبحة في اللغة سَبَّحَ الله وله : قدَّسَهُ ، نزَّههُ ، قال : سبحان الله السبحة أو المسبحة: خرزات منظومة في سلك للصلاة و الت...
-
كل من أراد معرفة الله فليحرص على معرفة نفسه فقد قالوا :"من عرف ربه عرف نفسه" و لا يعرف أحد نفسه إلا بمجاهدتها و رياضتها و أم...
-
بسم الله الرحمن الرحيم و الصلاة و السلام على سيد الكونين وعلى اله و صحبه و سلم تسليما كثيرا . اخواني الكرام السلام عليكم و رحمة ال...








